زملوني زملوني… حين كانت المرأة أول الأمان

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي
حين عاد النبي ﷺ من غار حراء مرتجف القلب، مبهور الروح بما رأى، لم يجد أول ما يلجأ إليه إلا قلب زوجته. كان يقول: “زملوني زملوني”، فاحتضنته السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ولفّته بطمأنينة الأم وحنان الزوجة وحكمة الرفيقة. لم تسأله أولًا عن التفاصيل، بل منحته ما يحتاجه الإنسان قبل أي شيء: الأمان.
منذ ذلك الموقف الخالد، كأن التاريخ يهمس بحقيقة
عميقة : المرأة ليست مجرد نصف المجتمع… بل هي سكنه ودفؤه وسنده.
فالمرأة في حياة الرجل ليست صورة واحدة، بل وجوه من الرحمة تتبدل عبر الزمن:
هي الأم التي تسهر لياليها الطويلة بينما ينام العالم كله، تراقب أنفاس طفلها كأنها تحرس قلبها خارج صدرها.
هي الأخت التي تشاركك طفولتك وضحكاتك وأسرارك الصغيرة، وتقف معك حين تضيق بك الحياة.
هي الزوجة التي تشاركك الطريق بكل ما فيه؛ تعب الأيام، وضيق الرزق، وقلق الغد، ثم تصنع من ذلك كله بيتًا دافئًا.
هي الابنة التي تدخل قلب أبيها فتجعله أكثر رقة مما كان.
وهي الحبيبة التي تزرع في الروح معنى الجمال والحنان.
المرأة لا تُقاس قوتها بصوتها العالي، بل بصبرها الطويل.
ولا يُعرف عطاؤها بما تأخذه، بل بما تعطيه دون أن تنتظر المقابل.
كم من امرأة خبأت تعبها خلف ابتسامة!
وكم من أم أخفت دموعها حتى لا يرى أولادها ضعفها!
وكم من زوجة وقفت إلى جانب رجلها في أشد أيامه، حين تخلى عنه كثيرون!
المرأة بطبيعتها وفاء يمشي على الأرض.
تحمل في قلبها قدرة عجيبة على العطاء، كأن الله وضع في روحها نبعًا لا ينضب من الرحمة.
ولذلك لم يكن عجيبًا أن تكون أول من آمن وساند وصدق رسول الله ﷺ هي امرأة؛ تلك السيدة العظيمة خديجة بنت خويلد، التي قالت كلمتها الخالدة حين عاد خائفًا:
“كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا.”
كانت كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتعيد الطمأنينة إلى قلب رجل سيغير وجه التاريخ.
وهكذا هي المرأة…
ليست دائمًا في مقدمة المشهد، لكنها غالبًا القلب الذي يقف خلفه.
فالمرأة حين تحب، تحب بصدق.
وحين تعطي، تعطي بلا حساب.
وحين تقف مع من تحب، تقف كالجبل لا تهزه الرياح.
ولهذا، يبقى الرجل في أعماقه مدينًا لامرأة ما في حياته:
لأمٍ ربّته،
أو أختٍ ساندته، أو زوجةٍ شاركته الطريق، أو ابنةٍ أعادت إلى قلبه الطفولة.
إنها المرأة…
الملاذ حين تضيق الحياة،
والسكينة حين يضطرب القلب،
والنور الذي يجعل الطريق أقل قسوة.
ولو أنصف العالم النساء، لكتب تحت اسم كل امرأة كلمة واحدة فقط:
“الوفاء.”



