الحذر من البدع وأهلها

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني القراء : إنَّ الواجب على المسلم أن يعتصم بكتاب ربه ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ ويفهمها فهماً صحيحاً بفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم ؛ كيف لا وقد قال الله تعالى : – وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا – آل عمران : 103 وقال تعالى : – وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ – الحشر : 7 وقال تعالى : – وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا – النساء : 115 وقال صلى الله عليه وسلم : – فعليكم بسنتي ، وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين ؛ تمسّكوا بها ، وعَضّوا عليها بالنواجذِ ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ ؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ – رواه أبو داود في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 4607 .
وكم هي النصوص الشرعية الآمرة باتباع الكتاب ، والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم ؛ وكم هي النصوص الشرعية المحذرة من البدع وأهلها ؛ سواءً كانت في العقيدة أو الشريعة ؛ وسواء كانت صغيرةً أو كبيرة ؛ أو كانت مكفرةً أو مفسقةً ؛ فكلها شرٌَّ وضلالٌ ، ونقمةٌ وبلاءٌ على العباد والبلاد ؛ ونسأل الله العفو والعافية منها ، ومن أهلها الدعاة إليها ؛ كيف وقد قال الله تعالى : – قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا – الكهف : ١٠٣ – ١٠٤ وقال تعالى : – عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً – الغاشية ٣-٤ وقال تعالى : – إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ – الأنعام : 159 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – ليأتينَّ على أمَّتي ما أتى على بني إسرائيل ؛ حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ ، حتَّى إن كانَ مِنهم من أتى أُمَّهُ علانيَةً لَكانَ في أمَّتي من يصنعُ ذلِكَ ، وإنَّ بَني إسرائيل تفرَّقت على ثِنتينِ وسبعينَ ملَّةً ، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً ، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً ، قالوا : مَن هيَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ : ما أَنا علَيهِ وأَصحابي – رواه الترمذي في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم 2641 .
فالحذر كل الحذر معاشر القراء من الوقوع في المحدثات الدينية والتي سببها الجهل بدين الله ؛ وعدم حضور مجالس أهل العلم الشرعي ؛ وعدم سؤال علماء السنة السلفيين ؛ عما أشكل عليهم من أمور دينهم ، وعقيدتهم ، وما كان عليه أسلافهم الصالحين عقيدةً ، وعبادةً ، ومعاملةً ، وأخلاقاً ؛ وسلوكاً ؛ وعدم قراءة كتب أهل العلم السلفيين ؛ وعدم سماع صوتياتهم المفيدة ، من مواقعهم الالكترونية وغيرها .
وقد انتشرت البدع في هذا الزمن خاصة حيث كثرت فيه البدع ، وتناقلها الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة ، ومواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة ؛ حتى ظنّ الناس أنَّ البدعة حقٌّ وسنة ، وصاحب البدعة عالمٌ بحقٍّ وحقيقة ؛ وفي كلٍّ شرٌّ وبلاءٌ ؛ وتلبيسٌ وتضليل ؛ نسأل الله السلامة والعافية .
وإليكم معاشر القراء جملةً من الآثار السلفية الناهية عن البدع ، والمحذرة من مجالسة أهلها ، أو الدفاع عن أصحابها ، أو التبرير لبدعهم وأخطائهم، أو التنزه عن الكلام فيهم ، وجماعتهم وطوائفهم ؛ ونسأل الله العفو والعافية من ذلك كلِّه :
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله – طبقات الحنابلة ١ / ١٩٦ – : ” إيَّاك أن تجالس أهل البدع ، ولا تكلمهم ، ولا تسمع منهم ” وقال أيضاً في نفس الصفحة والمصدر : ” أهل البدع لا ينبغي لأحدٍ أن يجالسهم ، ولا يخالطهم ، ولا يأنس بهم ” وقال أيوب السختياني رحمه الله – الإبانة ص٣٩٧ – : ” لا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك ، فينبذوا فيه ما شاؤوا فيغيروا قلبك ” .
إخواني القراء: من علامات أهل البدع الطعن في علماء السنة ، وأصحاب المنهج السلفي ؛ قال الامام الشافعي رحمه الله – سير أعلام النبلاء ١٠ / ٩٩ – : ” الناس لا يزالون بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء ؛ فإذا عظَّموا هذين أصلح الله دنياهم ، وأخراهم ” وقال ابن عساكر رحمه الله – تبيين كذب المفتري ص٢٨ – : ” اعلم يا أخي أنَّ لحوم العلماء مسمومةً ، وعادة الله في منتقصيهم معلومة ” ويقول الآجري رحمه الله – الشريعة للآجري ١ / ٤٥٣ – : ” لم يزل أهل العلم يذمون أهل البدع ، ويحذرون منهم ، ويعيبونهم ، ويطعنون عليهم ، ومن علامات المبتدع الوقيعة في أهل الأثر ” وقال الخطيب البغدادي رحمه الله – الفقيه والمتفقه ٢ / ١٥٧ – : ” الواجب على المسلمين توقير العلماء ، ومعرفة حقوقهم ، ومن استخف بهم ؛ فقد انسلخ من دينه ” وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله – مجموع الفتاوى 2 / 2/132 – ” ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم “ أي إلى أهل البدع ” أو ذبَّ عنهم ، أو أثنى عليهم ، أو عظَّم كتبهم ، أو عُرف بمساعدتهم ، ومعاونتهم ، أو كره الكلام فيهم ، أو أخذ يعتذر لهم ” إلى أن قال : ” بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ؛ ولم يعاون على القيام عليهم ، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات ، لأنهم أفسدوا العقول ، والأديان على خلقٍ من المشايخ ، والعلماء ، والملوك ، والأمراء ، وهم يسعون فى الأرض فسادًا ، ويصدون عن سبيل الله ، فضررهم فى الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ، ويترك دينهم ؛ كقطاع الطريق ، وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ؛ ويبقون لهم دينهم …” وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله – مجموع الفتاوى 28 /231-232 – : ” الرَّجُلُ يَصُومُ ، ويُصلِّي ، ويَعتكفُ أَحَبُّ إليكَ ؛ أوْ يَتكَلَّمُ في أهلِ البدعِ؟ فقالَ : إذا قامَ وصلَّى ، واعتكَفَ ؛ فإنما هوَ لنفسهِ ، وإذا تكلَّمَ في أهلِ البدعِ ؛ فإنما هو للمسلمينَ ، هذا أفضَلُ ” نسأل الله أن يبصرنا بديننا ؛ وأن يجنبنا سبل أهل البدع والأهواء ؛ وأن يحشرنا في زمرة أهل السنة السلفيين ، مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ؛ ووالدينا ، ووالديهم ؛ وجميع المسلمين ؛ برحمة ربنا أرحم الراحمين .
اللهم آمين .



