مقالات

بريق المعتكفات

بقلم: د. لينة بنت حسن عزوز

بقلم: د. لينة بنت حسن عزوز

أذّن مؤذن العشر الأخيرة من رمضان، سار الجمع الغفير من المعتكفين إلى معتكفاتهم حيث المغتسل البارد والشراب، صمت مهيب، حضور جزْلٌ، سحنة مقدسة، ماء إيمانيّ مقطّر، انقطاع عن الدنيا واتصال روحانيّ بالآخرة، إلجام كوابح النفس الأمارة بالسوء، إعراضٌ ونأَي عن دواعي اللهو والغفلة، هل تحسون معي أنهم يحلقون في الأبدية؟ ويهيمون حول العرش؟ ويكأنهم ليسوا من أهل الأرض في شيء! كأنما يلسمون أطراف النجوم ومعاقد المجد، يرتلون في معتزلهم الشريف كتاب ربهم ترتيلاً خاشعاً عذباً سلسبيلاً، يستجلبون منه الإيمان والأخلاق وسبل المعيشة والمعاملات وموارد النجع ومقومات الظفر، يطلقون العنان لأرواحٍ طال حبسها في غيابت الجب، فتتفتق لهم الأضواء والمنارات، فيرون مالا يرى غيرهم من رونق المعاني، وحكم الأمور ، ومقاصد التشريع ..!
تعرفهم بسيماهم في الإيمان الجمّ، والسمت الحسن، والصبغة الرضية، يدعون ربهم تضرعاً وخُفية، والله بفضله يدنيهم إلى ظلال نعيمه، ويهطل عليهم ماء البركات غدقاً.

إن ثمة أشياء تبنى في المعتكفات، وثمة معانٍ تُصقّل بين سواري المساجد، وثمة اقتباس وتحلي بخلائق المتقين، وسلائق الصالحين .
ثمة حبل من الله يتدلّى من المحاريب حين تصدع بآيات الله والحكمة، ثمة قصص وفصول وأعمار تتبارك، ثمة مشاريع تُنسج و تُرسم وتنهض..
ثمة ترحال إلى محابّ الله ومراضيه، ثمة أشواط إيمانية لا تُقطع إلا بتفريغ القلوب لله الملك الواحد القهار .. !!
إن الاعتكاف دورة تدريبية مكثفة مركزة للتنقية والتصفية والتزكية من رواسب الوهن والكفر والفسوق والعصيان.. وفي أعقابها _ بإذن الله_ يزهرون ويشرقون، لا يذبلون ولا يأفلون .
لله در المعتكفات ..في ثنيّاتها سردٌ، ودمعٌ، ووصالٌ، وبلوغ !
اللهم تقبل منا ومنهم، وزدنا وزدهم بسطة في الفهم والعلم، وارزقنا وأحسن لنا ولهم رزقاً، وأنت خير الرازقين..

 

العشر الأواخر لمن أراد أن يكون من الأوائل !

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬