مقالات

ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي 

ليست القلوب تُفتح بالقوة، ولا تُكسب بالمكانة، ولا تُؤسر بالسلطة. القلوب مفاتيحها اللين، وأبوابها الرحمة، وسرّ بقائها حول الإنسان هو ما يجده الناس عنده من دفءٍ وإنسانية. ولهذا جاء التوجيه الإلهي العميق في قوله تعالى: ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ؛ آية قصيرة في كلماتها، لكنها واسعة في معناها، كأنها ترسم قانونًا خالدًا في العلاقات الإنسانية.

فالفظاظة قد تُجبر الناس على الوقوف أمامك، لكنها لا تجعلهم يقفون معك. قد يطيعك البعض خوفًا، لكنهم لن يحبّوك أبدًا. وبين الطاعة التي يصنعها الخوف، والطاعة التي يولدها الاحترام، مسافة بحجم القلب نفسه.

الإنسان بطبيعته يبحث عن من يفهمه قبل أن يحاسبه، ومن يرفق به قبل أن يقسو عليه. يبحث عن كلمة طيبة تخفف عنه، لا عن نظرة تعالٍ تثقل روحه. فكم من كلمةٍ لينةٍ أصلحت ما أفسدته الأيام، وكم من كلمة قاسية كسرت نفسًا لم تكن تحتاج إلا شيئًا من اللطف.

وليس المقصود باللين ضعفًا، فالقلب الرحيم قد يكون أشد ثباتًا من القلوب القاسية. لكنه يعرف أن الناس لا تُدار بالعنف، ولا تُربّى بالإهانة، ولا تُكسب بالغلظة. إنما تُبنى الثقة بينهم وبينك حين يشعرون أنك ترى إنسانيتهم قبل أخطائهم، وأنك تعاملهم بقلوبك قبل سلطتك.

تأمل في حياة الناس من حولك: كم علاقة انتهت بسبب كلمة قاسية؟ وكم محبة ذبلت لأن صاحبها لم يجد رحمة في قلب الآخر؟ أحيانًا لا تنهار العلاقات بسبب الخلاف، بل بسبب الطريقة التي يُقال بها الكلام. فالقسوة تُطفئ ما بقي من المودة، بينما اللين قادر على إعادة الحياة لما ظنناه انتهى.

ولهذا كان أعظم البشر خُلقًا هو أكثرهم رفقًا بالناس. لم يجتمعوا حوله لأنه لم يخطئوا، بل لأنهم وجدوا عنده قلبًا يسع أخطاءهم ويقودهم بلطف نحو الصواب. فالإنسان قد يبتعد عن المكان، لكنه لا يبتعد عن القلب الذي شعر فيه بالأمان.

إن اللين ليس مجرد خُلق جميل، بل هو حكمة في فهم النفوس. فالقلب إذا قُهر انكسر، وإذا أُهين ابتعد، وإذا وُجد فيه الرحمة اقترب. وكل إنسان يستطيع أن يكسب الناس حوله، أو يخسرهم، ليس بما يملك… بل بما يحمله في قلبه.

ولهذا تبقى الآية درسًا خالدًا لكل إنسان:

إن أردت أن يبقى الناس حولك، فاجعل في قلبك مساحة لهم.. فالقلوب لا تبقى حيث القسوة… بل حيث الرحمة.

 

زرقاء اليمامة… حين ترى العيون ما لا يراه الناس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬