مقالات

نفق الأمل

بقلم: د. رغدة الإدريسي

بقلم: د. رغدة الإدريسي

كانت درجة الحرارة أربعة مئوية، ورياح باردة جدا تهب من كل اتجاه، عندما ترجلنا من السيارة التي وقفت بنا أمام أحد الأبنية في الحي المهجور المجاور للمطار، أخذنا ننفخ في كفوفنا علّنا نبعث فيها شيئا من الدفء، ونستعرض البخار المتشكل من أنفاسنا بفرحة القادم من البلاد الصحراوية، أحكمنا أغطية رؤوسنا، وأزرار معاطفنا، ووقفنا أمام المنزل الوحيد في الشارع، كان منزلا متهالكا، متقوب الجدران برصاص سابق، مبني من الخشب ، ولا أظن عرضه يتجاوز 10 أمتار، ولكنه رغم بساطة مظهره، يكمن تحته السر الذي أنهى حرب البوسنة والهرسك لصالح المسلمين، وأوقف الحرب الوحشية التي عانى منها أهلها أكثر من 4 سنوات، والذي كان مجرد فكرة يائسة انتهت بنصر عظيم، تحت هذا المنزل حُفٍر نفق سراييفو العظيم، والذي عرف بعد ذلك باسم “نفق الأمل”.

سراييفو، تلك المدينة التي شهدت طفولتنا على حربها القاسية، وتلقينا قصص وأخبار مجاهديها الأشاوس، ها أنذا أقف أمام أحد أهم معالم انتصاراتها، هذا المنزل البسيط المجاور للمطار بشكل غريب، حتى إنك لتكاد ترى الطائرات بوضوح من فنائه، ولا يفصلك عن الهرولة والتعلق بأحد أجنحتها إلا قرابة 100 م، وسياج من الحديد المرتفع.

لقد أوحى موقع هذا البيت بالفكرة العبقرية بحفر نفق تحته، يربط بين المنطقتين التابعتين للأمم المتحدة في سراييفو المحاصرة حصارا كليا منذ أربع سنوات، ذلك الحصار الذي أدى إلى مقتل 11,000 شخص بسبب سوء التغذية وعدم توفر الدواء وحليب الأطفال، كان الحفر يتم ليلا، وتحت إضاءة فوانيس زيتية خافتة لئلا تلتقطها الرادرات، وبأدوات حفر بدائية لئلا يلفتوا النظر.

في داخل النفق شاهدنا صور الأشخاص الذين ساهموا في بنائه، كانت الصور كلها تدل على سوء الأحوال في ذلك الوقت، تحول البيت الآن إلى متحف يزوره الزوار ليشهدوا على قوة الإنسان وقدرته على النجاة من أصعب الظروف، كان ارتفاع النفق عند بنائه 150 سنتيمترا فقط، مما يعني أن الناس كانوا يعبرونه مطأطئين طوال كيلومتر كامل للوصول إلى الطرف الآخر من المدينة، مهرّبين عبره لأنحاء سراييفو الغذاء والدواء الذي كان يصل إلى المطار عبر المساعدات الدولية، لقد كسر هذا النفق الحصار وكان السبب الرئيس في انتصار المسلمين في سراييفو.

ولأنه ليس أجمل من زيارة الأماكن التي خلدت تجارب الانسان وألمه وأمله، فقد سرت طول النفق أتلمس الجدران، أتأمل السقف، أمشي على ذات الخطوات، كدت أسمع همهمات الرجال، وتأوهاتهم وهم يحملون أكياس التراب على أكتافهم، وصوت الحفارات اليدوية تثقب الأرض، وقعقعة حديد القضبان التي نصبت طوال الطريق لتسير عليها العربات المحملة الغذاء والدواء والسلاح والأمل.

كانت المياه تصل إلى منتصف أقدام الحفارين، وقد وضع قائدو العملية نظاما لنوبات الحفر والعودة إلى الخارج بسبب عدم وجود هواء بالداخل، وجدنا سجلات بأسماء المشاركين وطرق التحقق منهم يوميا لئلا يدخل جاسوس أو دخيل، ورسوما للمهندسين لطريق الحفر مستخدمين خرائط يدوية للمدينة، وجداول منظمة بالأسماء مكتوبة بخط جميل، كان جدول الحفر مستمرا 24 ساعة، عبر نوبات متتالية من الرجال بأعداد محدودة، بعد 4 أشهر و4 أيام، ظهر النور لأول مرة في النفق، ووصلوا إلى منطقة آمنة خفية في الطرف الثاني من المدينة، عندما خرجنا من النفق المعد للسياح اليوم، تحت ظروف تهوية وإضاءة وتوسعة وراحة سياحية، ورأينا النور بالخارج، تساءلت هل استطاعوا الصراخ فرحا يومها، أم كتموا تلك الصرخات واهراقت دموعهم وسجدت جباههم فقط؟

في إحدى القاعات الخارجية للمبنى كتب كل من ساهم في حفر هذا النفق أو عرف أحد المساهمين فيه عبارات موجزة عن دور هؤلاء الأبطال الذين صمموا على ألا يكتفوا بالبكاء أو التذمر أو اليأس أو الاستسلام، بل حاولوا تغيير الظروف مهما كانت الفكرة وقتها مستحيلة، أولا تكاد أن تصدق، أو ببساطة قد يؤدي تنفيذها إلى الموت ، لقد كانوا يحفرون هذا النفق تحت قصف الطائرات، وتهديد القناصة في الأحياء التي يخرجون منها ، متلبسين بخوف أن يكتشف الأمر ولما يكتمل، مختنقين بالتراب وانعدام الأكسجين تحت الأرض، كل هذه المخاوف بنت هذا النفق، إنها محفورة على الطريق، مرصودة على الجدران، تعبق رائحتها المكان، كانت من أجمل العبارات التي قرأتها ما كتبه أحدهم يقول: لقد استعمل والدي هذا النفق ليزور الفتاة الوحيدة التي أحب في الشق الثاني من المدينة، لقد كانت أمي.

عندما خرجنا من البيت، فكرت في قوة الأمل، ودور العزيمة الإيجابية، قررت ألا أيأس أبدا، وأن أتأكد أن النتائج غير محسومة مهما بدت القوى غير متكافئة، وأن المسلمين أقوياء بالله دائما، والقوة القوة لا بارك الله في الضعف.

 

قصة وقصيدة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬