كيف يستقبل رمضان

بقلم:حسن بن محمد منصور الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر القراء : لقد حلَّ بابنا ضيفٌ عزيزٌ ، وشهرٌ من خير الشهور ، تظافرت بفضله الأخبار الربانية ، والنصوص الشرعية ، قال الله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، [ البقرة : 185 ]
وفي الصحيحين ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ، وقال صلى الله عليه وسلم : أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ؛ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ؛ لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم 1992 وغيرها من النصوص الشرعية في فضله ، وعظيم منزلته في الإسلام .
والواجب علينا معاشر القراء : أن نفرح بمقدمه ، وبحلوله علينا ضيفاً عزيزاً ؛ اقتداءً بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، والسلف الصالح من بعده : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يونس : 58 لأنَّ شهر رمضان شهرٌ يتنافس فيه الصالحون إلى الأعمال الصالحة ، ومن أعظمها بعد توحيد الله تبارك وتعالى ، والصلاة المكتوبة ؛ صوم نهار رمضان ، وقيام لياليه العظام بصلاة التراويح والقيام ، والصدقة والجود ، والإحسان ، والاكثار من تلاوة القرآن ، وتدبر آياته العظام ، وغيرها من الأعمال الصالحة في شهر الصيام .
ولنحذر معاشر القراء : من استقباله بالأعمال السيئة والبدع المحدثة ؛ ومنها صيام اليومين الأخيرين منه احتياطاً لرمضان ؛ فإنَّ هذا مما نهى عنه نبينا صلى اللَّهُ عليه وسلم : لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ، رواه البخاري ومسلم ؛ وجاء في حديث : صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، أي مطبوخة، فَقَالَ : كُلُوا ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ ، وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رضي الله عنه : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشّكُّ فِيهِ فَقَدْ عصا أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 961 .
علماً أيها الاخوة : أنَّه لا يدخل في النهي عن تقدم رمضان بيومٍ أو يومين صوم قضاءٍ وقتها مضيق ؛ أو صوم نافلةٍ اعتاد الناس على صيامها كصوم يومي الاثنين أو الخميس ، فوافق صيامهم لأحدها اليوم التاسع والعشرين أو الثلاثين من شهر شعبان ؛ فلا بأس على المسلم بصيامها نافلةً لا بنية أنه فرضٌ من رمضان احتياطاً ؛ فإنَّ هذا هو المنهي عن صيامه .
معاشر القراء : وإنَّ مما يستقبل به رمضان المسابقة إلى ترائي هلال رمضان في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، وذلك من بعد العصر إلى مغيب الشفق الأحمر ، ومشروعية الإدلاء بالشهادة على رؤية هلال رمضان للجهات المختصة ، كالمحاكم الشرعية ، وقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : تَرَائِى النَّاسُ الْهِلَالَ ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 908 .
علماً أنَّ رؤية هلال رمضان تثبت بشهادة مسلمٍ عدلٍ على الرؤية ، وتكون الرؤية بالعين المجردة أو بآلات الرصد الحديثة ، فإن لم ير الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ؛ بسبب غيمٍ أو غبار أو نحو ذلك ؛ فإنَّها تكمل عدة شهر شعبان ثلاثين يوماً ؛ قال صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمِّي عليكم الشهر ، فعدُّوا ثلاثين، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
وأخيراً لنعاهد أنفسنا أيها القراء الكرام : على الالتزام في رمضان بأوامر الله جل جلاله ، والانتهاء فيه عما نهى الله عنه ، فربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلاَّ الجوع والعطش ، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلاَّ السهر والتعب ؛ والحذر كلَّ الحذر من الإفطار في نهار رمضان لغير عذر شرعي ، أو فعل شيءٍ من الذنوب في نهار الصيام ولياليه العظام ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، رواه البخاري في صحيحه ، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ” إذا صمت فليصم سمعك ، وبصرك ، ولسانك عن الكذب والمحارم ، ودع عنك أذى الجار ، وليكن عليك وقارٌ ، وسكينةٌ ، ولا يكن يوم صومك ، ويوم فطرك سواء ” رواه ابن أبي شيبة في مصنفه .
وكذا يجب علينا معاشر القراء أن نربي أبناءنا وبناتنا ، ومن تحت أيدينا على الصيام ، والصلاة ، والقيام ، وسائر الأعمال الصالحة في رمضان ، وفي سائر الأيام ، وأن ننهاهم عما نهى الله عنه في رمضان وغيره ؛ لتبرأ ذمتنا أمام الملك الديان ؛ فهم أمانةٌ في أعناقنا ؛ وسنسأل عنهم هل قمنا بواجب الأمانةوالتربيةً أم لا؟، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ ؛ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، رواه مسلمٌ في صحيحه :
يا ذا الذي ما كفاه الذنبُ في رجب.ٍ… حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
لقد أظلَّكَ شهرُ الصومِ بعدهما … فلا تُصَيِّرهُ أيضا شهر عصيان..
واتلُ القران وسبِّح فيه مجتهدًا … فإنه شهرُ تسبيحٍ وقرآنِ
فاحمل على جسدٍ ترجو النجاة له … فسوف تُضرمُ أجسادٌ بنيرانِ
كم كنتَ تعرف ممن صام في سلفٍ … مِنْ بين أهلٍ وجيران وإخوانِ
أفناهم الموتُ واستبقاكَ بعدهمُ … حيًّا فما أقرب القاصي من الداني
ومُعجبٌ بثياب العيد يقطعها … فأصبحتْ في غدٍ أثوابَ أكفانِ
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا ؛ ووفقنا لما تحبه وترضاه يا رب العالمين ، واجعل أعمالنا خالصةً لوجك الكريم ، واجعلنا ممن أدرك شهر رمضان ؛ فصامه ، وقامه ، وتقرب إليك فيه بصالح القول والعمل يا حي يا قيوم ؛ وأهل علينا هلال رمضان بالأمن والإيمان ، والسلامة والإسلام ، وأدم على بلادنا السعودية ، وسائر بلدان المسلمين أمنها ، وإيمانها ، وقيادتها ، وجنودها ، والخيرات في أرجائها يا رب العالمين ، وكفَّ عنها الشرور والمحن ، والمصائب والفتن ؛ ما ظهر منها وما باطن ؛ برحمتك يا أرحم الراحمين ؛ وآتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ووالدينا ، ووالديهم ، وجميع المسلمين . اللهم آمين .



