حين يستأمنك أحدهم على روحه

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
الأمانة ليست دائمًا مالًا نعيده، ولا سرًّا نخفيه، ولا عهدًا نكتبه على ورق…
أحيانًا تكون الأمانة قلبًا وثق بك، وروحًا اطمأنت إليك، وإنسانًا نزع أمامك دروعه لأنه صدّق أنك لن تكون سببًا في ألمه.
وأصعب الأمانات هي تلك التي لا تُرى.
حين يحدّثك أحدهم عن خوفه، فأنت أمام أمانة.
حين يكشف لك نقطة ضعفه، فأنت أمام أمانة.
حين يخبرك بما لم يستطع قوله لأحد، فأنت أمام أمانة.
وحين يمنحك مكانًا في قلبه، فأنت لا تدخل مساحة عابرة… بل تدخل موضعًا قد يصعب ترميمه إن كسرتَه.
في العلاقات، الأمانة ليست أن تقول: «أنا أحبك» فقط، بل أن تكون صادقًا في مقدار هذا الحب.
لا تمنح شخصًا شعور الأبد وأنت لا تنوي البقاء، ولا تفتح له باب الأمل بينما أنت تعرف أن طريقك إليه مؤقت، ولا تجعله يبني أحلامه على كلمات قلتها في لحظة فراغ ثم تنسحب وكأن شيئًا لم يكن.
الوضوح أرحم من التعلّق الكاذب، والحقيقة المؤلمة أنظف من الوهم الجميل.
إن كنت لا تستطيع البقاء، فلا تعد.
إن كنت مترددًا، فلا تمنح اليقين.
إن كنت لا تريد إنسانًا في حياتك، فلا تجعله يشعر أنه مركزها.
وإن تغيّرت مشاعرك يومًا، فامتلك شجاعة الاعتراف بدل أن تعاقبه بالتجاهل حتى يفهم وحده أنه لم يعد مرغوبًا.
فبعض الناس لا يخافون النهاية بقدر ما يؤلمهم أنهم لم يعرفوا متى بدأت.
هناك فرق كبير بين أن ترحل من حياة أحد، وبين أن تهدمه قبل رحيلك.
يمكنك أن تنهي علاقة باحترام، ويمكنك أن تقول الحقيقة دون أن تهين، ويمكنك أن تعتذر دون أن تبرر القسوة، ويمكنك أن تغادر وتترك خلفك ذكرى نظيفة بدل جرحٍ يجعل الإنسان يشك بعدك في كل قلب يقترب منه.
وأقسى ما قد يفعله إنسان بآخر أن يجعله يدفع ثمن صدقه.
أن يأخذ منه أصدق مشاعره، ثم يسخر من تعلّقه.
أن يطلب منه الأمان، ثم يكون أول من يهدده.
أن يسأله عن جراحه، ثم يعرف أين يضربه حين يختلفان.
أن يستأمنه الآخر على ضعفه، فيحوّل ذلك الضعف يومًا إلى سلاح.
هنا لا تكون الخيانة خيانة علاقة فقط…
بل خيانة أمانة إنسانية.
الناس الذين يدخلون حياتنا لا يأتون جميعًا متساوين في القوة؛ قد يأتيك إنسان أنهكته الحياة، فوجد فيك شيئًا يشبه المأوى. وربما لم يطلب منك أن تنقذه، كل ما أراده ألا تضيف جرحًا جديدًا إلى جراحه.
لذلك لا تستهن بكلمة: «استأمنك على روحه».
إنها تعني أنه وضع بين يديك شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة؛ ثقته، طمأنينته، صورته عن الحب، وربما قدرته على تصديق البشر من بعدك.
فإما أن تحفظ الأمانة…
وإما أن تكن شجاعًا بما يكفي لتردها إلى صاحبها قبل أن تؤذيها.
لا أحد مُجبر على البقاء مع أحد، ولا أحد يملك قلب الآخر إلى الأبد، لكننا جميعًا مسؤولون عن الطريقة التي نعبر بها حياة الآخرين.
فإن لم تستطع أن تكون لهم وطنًا، فلا تكن حربًا.
وإن لم تستطع أن تمنحهم الأمان، فلا تجعل خوفهم منك ثمنًا لحبهم لك.
وإن قررت الرحيل، فارحل بقدرٍ من الرحمة يجعلهم يقولون يومًا:ش
«انتهت الحكاية… لكن الإنسان بقي محترمًا في ذاكرتي.»
فليس أجمل ما في العلاقات أن تستمر جميعها، بل أن تظل الإنسانية حاضرة حتى حين تنتهي.
الأمانة الحقيقية أن تدخل قلبًا فلا تعبث به، وأن تعرف مواضع ضعفه فلا تستخدمها ضده، وأن ترحل — إن كان لا بد من الرحيل — دون أن تترك وراءك إنسانًا يقضي سنوات وهو يحاول إصلاح ما كسرته أنت في لحظة.
لأن بعض القلوب لا تطلب الكثير…
تطلب فقط ألّا يخونها من ظنّت أنه أمان.




