مقالات

في قبضة اليد… أم في قبضة الحياة؟

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

لم تعد الهواتف مجرد أجهزة نحملها في أيدينا، بل أصبحت جزءًا من أعمارنا، وخزانةً لأفراحنا وأحزاننا، ونافذةً نطل منها على الحياة بكل ما فيها من انتظارٍ وأملٍ وخوف.

لم نعد ننتظر ساعي البريد، ولا صوت الطرق على الأبواب، فكل شيء أصبح يأتي إلينا عبر إشعار صغير يهز الهاتف… لكنه قد يهز القلب معه.

كم من رسالة ترقية غيّرت مسار حياة صاحبها، وكم من رسالة نجاح رسمت ابتسامةً لا تُنسى على وجه طالبٍ أنهكه التعب. وكم من رسالة تعيين أعادت الأمل لمن ظن أن الأبواب أُغلقت في وجهه، ورسالة قبول جامعي صنعت مستقبلًا، ورسالة ابتعاث فتحت آفاقًا جديدة، ورسالة زواج جمعت قلبين، ورسالة ولادة أعلنت قدوم روحٍ جديدة إلى الدنيا، ورسالة امتلاك منزل أو أرض أو موافقة قرض كانت بداية حلمٍ طال انتظاره، ورسالة شفاء أعادت الحياة إلى قلب أسرةٍ بأكملها.

وفي المقابل… كم من رسالة حملت خبر وفاة، أو اعتذارًا موجعًا، أو رفضًا، أو خسارةً، أو نهاية علاقة، أو كلمةً غيّرت مجرى حياة إنسان في لحظة.

أصبحت هواتفنا تحفظ نبض أيامنا أكثر مما تحفظ أرقامنا. فيها أول تهنئة، وآخر وداع، وأول اعتراف، وآخر اعتذار. فيها صور الذين أحببناهم، وأصوات من اشتقنا إليهم، ورسائل من غادروا الحياة وبقيت كلماتهم تنبض كلما فتحنا محادثاتهم.

كم من ابتسامة وُلدت من إشعار، وكم من عينٍ سهرت تحدق في الشاشة انتظارًا لرسالة من شخصٍ يعني لها العالم. وكم من قلبٍ عاش على عبارة: “جارٍ الكتابة…” ثم انطفأ حين اختفت دون أن تصل الكلمات.

في هذه الهواتف بدأت حكايات، وانتهت حكايات. ضحكت قلوب، وبكت أرواح، وتعاهد أحبة، وافترق آخرون. تقاربنا حتى حسبنا أن المسافات انتهت، ثم اكتشفنا أن أبعد المسافات قد تكون بين قلبين يحملان الهاتف نفسه.

لكن الحقيقة التي لا ننتبه إليها كثيرًا، أن الهاتف لا يصنع المشاعر، ولا يخلق الوفاء، ولا يمنح الحب عمرًا أطول. إنه مجرد مرآة تعكس ما في القلوب. فمن كان صادقًا بقي صادقًا وإن ابتعد، ومن كان عابرًا رحل وإن كان حاضرًا كل يوم.

ومع ذلك… سيبقى لكل واحدٍ منا رسالة لا يستطيع حذفها، وصورة لا يملك شجاعة النظر إليها، واسمٌ كلما مر أمامه عاد الزمن سنوات إلى الوراء.

وربما لهذا السبب لا نفارق هواتفنا؛ لأنها لم تعد تحمل التطبيقات والأرقام فقط، بل تحمل أعمارنا كلها. فيها دعوات الأمهات، وضحكات الأصدقاء، ووصايا الآباء، وأحلام الأبناء، ونجاحاتنا، وانكساراتنا، وذكريات الذين رحلوا، وانتظار الذين نحبهم.

إنها ليست شاشة مضيئة فحسب… بل كتابٌ مفتوح، كُتب على صفحاته جزءٌ من حياة كل واحدٍ منا، وسيبقى شاهدًا على أننا مررنا من هنا، وفرحنا هنا، وبكينا هنا، وانتظرنا هنا… وعشنا من خلال رسالة، وضحكة، واتصال، وإشعارٍ صغير، لكنه كان في كثيرٍ من الأحيان أكبر من الحياة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬