تنهيدة عمر لا تنتهي

بقلم الكاتبة ـ فاطمة عواجي
يمضي العمر بنا بهدوء لا نشعر به، وكأنه لصٌ لطيف لا يسرق منا المال ولا الممتلكات، بل يسرق شيئًا أثمن من ذلك بكثير… يسرق الأيام. نفقد يومًا بعد يوم دون أن ننتبه، حتى نستيقظ ذات لحظة على صوت الحنين، فنلتفت إلى الخلف، ونجد أن أعمارًا كاملة قد مرت، وأن سنوات طويلة أصبحت مجرد ذكريات معلقة في زوايا القلب.
كنا أطفالًا ذات يوم…
وكانت الحياة بسيطة إلى درجة لا يمكن استعادتها مهما امتلكنا من المال أو بلغنا من المناصب. كنا نفرح بأشياء صغيرة، ونحزن لأشياء أصغر، ونركض خلف أحلام بريئة لا تعرف شيئًا عن قسوة الحياة. كانت وجوه آبائنا وأمهاتنا مليئة بالشباب، وكانت البيوت عامرة بالأصوات، وكانت الأيام طويلة حتى كنا نظن أنها لن تنتهي أبدًا.
ثم مضت الطفولة…دون أن تودعنا..كما تمضي الأشياء الجميلة دائمًا.
وجاءت المراهقة بأحلامها الواسعة، واندفاعها الجميل، وأمنياتها التي كانت تلامس السماء. كنا نظن أننا سنبقى في ذلك العمر طويلًا، وأن المستقبل بعيد جدًا، وأن الوقت يقف في صفنا.
لكن الوقت لم يكن يقف لأحد..كان يمضي بصمت .وكان العمر يركض بينما نظن أننا نسير.
ثم جاء الشباب…
المرحلة التي انتظرناها طويلًا، وحلمنا بها كثيرًا، فإذا بها تمر هي الأخرى كنسمة عابرة. انشغلنا بالدراسة، والعمل، والمسؤوليات، وبناء الحياة، ومواجهة الظروف، والبحث عن الاستقرار، حتى وجدنا أنفسنا نعيش الحياة بكل تفاصيلها دون أن ننتبه أن الحياة نفسها كانت تمر من بين أيدينا.
كل يوم يشبه الذي قبله… وكل صباح يشبه سابقه.
حتى أصبحت السنوات تتساقط من أعمارنا كما تتساقط أوراق الشجر في موسم الخريف.
وفجأة…
ننظر في المرآة فلا نجد ذلك الوجه الذي اعتدناه.
نرى خطوط الزمن وقد رسمت حكايتها على الملامح.
ونرى خصلات الشيب تتسلل بهدوء إلى رؤوسنا.
ونرى أبناءنا يكبرون أمام أعيننا كما كبرنا نحن يومًا أمام أعين آبائنا.
حينها فقط ندرك أن العمر لم يكن طويلًا كما ظننا.
بل كان أقصر بكثير…أقصر من كل أحلامنا…وأسرع من كل توقعاتنا.
وفي زحمة الأيام تتراكم الذكريات فوق بعضها البعض، كما تتراكم طبقات الغبار فوق الأشياء القديمة. تبهت الصور شيئًا فشيئًا، وتختفي بعض التفاصيل، وننسى كثيرًا من الأسماء، لكننا لا ننسى الشعور.
لا ننسى دفء حضن أم رحلت..ولا هيبة أب كان يملأ البيت حضورًا وأمانًا.
ولا ضحكات إخوة وأصدقاء فرقتهم الطرق أو أخذتهم الحياة إلى أماكن بعيدة.
ولا تلك الجلسات التي كنا نظنها عادية، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت من أجمل ما مر بنا.
كم من مرة عدنا إلى صورة قديمة وأطلنا النظر فيها؟
ليس لأن الصورة جميلة فحسب، بل لأن الزمن الذي بداخلها لم يعد موجودًا.
الأشخاص أنفسهم تغيروا.
والأماكن تغيرت.. والأصوات خفتت.. والسنوات غطت كل شيء بطبقات من الغبار.
لكن القلب ما زال يتذكر… يتذكر ذلك الطفل الذي كنا عليه.
ويتذكر أحلام المراهقة.. ويتذكر اندفاع الشباب.
ويتذكر أول نجاح..وأول حب..وأول فرحة.. وأول دمعة.
ويتذكر وجوهًا كانت تملأ أيامنا ثم أصبحت أسماء في الدعاء.
الحياة علمتنا متأخرين أن أجمل اللحظات هي تلك التي لم نكن نعرف أنها جميلة.
علمتنا أن الأيام العادية كانت هي النعمة الحقيقية.
وأن الجلسات العابرة كانت أثمن من كثير من الأشياء التي سعينا إليها.
وأن الأشخاص الذين اعتدنا وجودهم كانوا أجمل هدايا العمر.
فما أقسى الحنين حين يزورنا فجأة.
وما أثقل تلك التنهيدة التي تخرج من أعماق القلب عندما نتذكر من رحلوا، أو نتذكر أيامًا لن تعود، أو نرى صورة أعادت إلينا عمرًا كاملًا في لحظة واحدة.
تنهيدة طويلة لا تحمل حزنًا فقط…بل تحمل دهشة أيضًا.
دهشة من سرعة العمر.. ومن سرعة الأيام.
ومن تلك الرحلة التي بدأت بطفل صغير يحمل حقيبته المدرسية، ثم مضت به الحياة بين الفرح والتعب، والنجاح والتعثر، واللقاءات والوداعات، حتى وجد نفسه يقف اليوم متأملًا طريقًا طويلًا عبره دون أن يشعر.
وفي لحظة صدق مع النفس ندرك أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأشخاص الذين أحببناهم، وعدد الذكريات التي تركت أثرًا في قلوبنا، وعدد اللحظات التي جعلتنا نشعر أننا أحياء حقًا.
فكل شيء في هذه الحياة يحدث مرة واحدة…
الطفولة مرة واحدة..والمراهقة مرة واحدة..والشباب مرة واحدة..وشباب الوالدين مرة واحدة..وصحة الأجساد مرة واحدة…واجتماع الأحبة حول مائدة واحدة مرة واحدة.
وحتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات الآن، لن تعود أبدًا.
ولهذا لا تؤجل الحب..ولا تؤجل الامتنان..ولا تؤجل زيارة من تحب..ولا تؤجل كلمة طيبة قد تكون آخر ما يبقى منك في ذاكرة أحدهم.
عش يومك بكل ما فيه..واحتضن من تحبهم أكثر.. وتأمل النعم قبل أن تتحول إلى ذكريات.
فسيأتي يوم، كما أتى على من قبلنا، نلتفت فيه إلى الخلف، ونرى العمر كله مصطفًا خلفنا كصفحات كتاب انتهينا من قراءته.
عندها لن نقول: كم جمعنا من الدنيا؟
بل سنهمس بصوت يملؤه الحنين والرضا والتعب الجميل:
كأنها كانت بالأمس…
ثم نأخذ تلك التنهيدة العميقة التي يعرفها كل من مر به العمر سريعًا، وندرك أن أجمل ما في الحياة أنها لم تكن أبدية، ولذلك كانت ثمينة إلى هذا الحد.




