مقالات

العدوى الاجتماعية

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر

في عالمنا اليوم، لا تنتقل الأمراض وحدها بين الناس، بل تمتد العدوى إلى ما هو أعمق: إلى الأفكار، والمشاعر، والسلوكيات. هذا ما يُعرف بـ”العدوى الاجتماعية”، وهي ظاهرة تفسر كيف يمكن لشخص واحد أو مجموعة صغيرة أن تُحدث تغييرًا ملحوظًا في بيئة كاملة، حتى تبدو وكأنها نسق واحد متشابه في التفكير والتصرف.

علميًا، يرتبط هذا المفهوم بما يُعرف بـSocialContagion Theory، التي توضح أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تقليد من حوله، ليس فقط بدافع الوعي، بل أحيانًا بشكل لا إرادي. كما تلعب Mirror Neurons دورًا مهمًا في هذا السياق، حيث تساعد الدماغ على محاكاة مشاعر وسلوك الآخرين، فنضحك عندما يضحك غيرنا، ونشعر بالقلق حين يسيطر التوتر على من حولنا.

في الحياة اليومية، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح. شخص يمارس الرياضة صباحًا قد يُلهم من يراه، فيبدأ الآخرون بالتجربة، ثم تتحول المحاولة إلى عادة. وقارئ دائم قد يوقظ في من حوله فضول المعرفة، فيمدّ أحدهم يده إلى كتاب لم يكن يفكر فيه يومًا. حتى الكلمات والتعابير، تتسلل إلينا من جلساتنا المتكررة مع أشخاص بعينهم، فنجد أنفسنا نرددها دون وعي.

ولا تقف العدوى عند حدود السلوكيات الإيجابية فقط؛ فالخوف ينتقل، والتشاؤم ينتشر، تمامًا كما ينتقل الحماس والطموح. بيئة يغلب عليها التوتر قد تُثقل النفس، مهما بلغت قوة الفرد، بينما محيط مليء بالدعم والتفاؤل قادر على رفع الإنسان إلى مستوى لم يكن يتخيله لنفسه.

وهنا يظهر دور الشخصيات المؤثرة، أولئك الذين يمتلكون حضورًا قويًا وقدرة لافتة على تغيير من حولهم. هؤلاء لا يفرضون أفكارهم، بل يبثونها بهدوء عبر أفعالهم وسلوكهم،

حتى تتشكل موجة من التغيير تمتد في كل الاتجاهات. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن قوة الفرد، مهما بلغت، قد لا تكفي وحدها لتغيير بيئة كاملة إذا كانت غارقة في السلبية.

لذلك، لا يُعد اختيار البيئة ترفًا، بل ضرورة. فحين تجد نفسك وسط أشخاص إيجابيين، داعمين، ومحبين، تمسّك بهم، وتعلّم منهم، لأنهم يشكلون جزءًا من مستقبلك. أما إذا كنت في بيئة لا تعكس ما تطمح إليه، فإما أن تحاول تغييرها بقدر استطاعتك، أو تبحث عن مساحة جديدة تنمو فيها.

الإنسان بطبعه يؤثر ويتأثر، وهذه ليست نقطة ضعف، بل سُنّة من سنن الحياة. ومن الحكمة أن يسأل كل منا نفسه: أي عدوى أريد أن تلتقط؟ وأي أثر أريد تريد أن تترك؟

 

تقييم الأداء… حين تتحدث الأرقام بصدق

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬