مقالات

نظرية آيزنك كمدخل لفهم الفروق الفردية وتحسين ممارسات التعليم والتقويم 

بقلم : د. عبير علي بدوي 

بقلم : د. عبير علي بدوي 

تُعدّ نظرية الشخصية التي قدّمها العالم هانز آيزنك واحدة من أهم النظريات التي يمكن للمعلم الاستفادة منها في فهم الفروق الفردية بين الطلاب، وتكييف أساليب التدريس والتقويم بما يتناسب مع احتياجاتهم. فهذه النظرية تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية للشخصية: الانبساط مقابل الانطواء، الاستقرار الانفعالي مقابل العصابية، والذهانية. ويسهم فهم هذه الأبعاد في تحسين جودة التعليم ورفع كفاءة أداء الطلاب.

أولاً: تطبيق نظرية آيزنك في التعامل مع الطلاب

1. مراعاة بعد الانبساط–الانطواء

تساعد معرفة ميل الطالب إلى الانطواء أو الانبساط على تحديد الأساليب المناسبة للتفاعل معه. فالطلاب الانبساطيون يفضّلون الأنشطة الجماعية والمناقشات والأدوار القيادية، بينما يميل الانطوائيون إلى الأنشطة الفردية والمهام الهادئة التي تتيح لهم التفكير قبل الإجابة. إن تنويع الأنشطة بين الفردي والجماعي يُعدّ مدخلاً فعّالاً لتحقيق التوازن بين هذين النمطين.

2. مراعاة مستوى العصابية (الاستقرار الانفعالي)

يرتبط هذا البعد بدرجة القلق والانفعال لدى الطالب. فذوو العصابية المرتفعة قد يشعرون بالارتباك عند مواجهة مواقف جديدة أو ضغوط دراسية، مما يتطلب خلق بيئة صفية مطمئنة، وتقديم تعليمات واضحة وخالية من التهديد. أما الطلاب المستقرون انفعاليًا فهم أكثر قدرة على التعامل مع الاختبارات والمواقف الصفية دون توتر.

3. مراعاة بعد الذهانية (الصلابة/الواقعية)

يميل الطلاب ذوو الذهانية المرتفعة إلى التركيز على التفاصيل والتفكير العملي المباشر، وقد لا يفضلون التواصل الاجتماعي في الأنشطة الصفية. وعلى المعلم أن يوازن بين الأنشطة التحليلية التي تناسب هذا النمط والأنشطة التعاونية التي تلائم الطلاب الأكثر اجتماعية وتفاعلاً.

ثانياً: توظيف نظرية آيزنك في التقويم

1. تنويع أدوات التقويم

يساعد تنويع أساليب التقويم في مراعاة أنماط الشخصية، بحيث تشمل الاختبارات الكتابية، والمناقشات الشفوية، والأنشطة العملية. هذا التنوع يمنح كل طالب فرصة للتعبير عن قدراته وفق أسلوب يناسب شخصيته.

2. مراعاة مستوى الإثارة أثناء الاختبار

يحتاج الطلاب الانبساطيون إلى نشاط ذهني سريع ومحفّز، بينما يفضّل الانطوائيون الاختبارات الهادئة المنظمة. ويمكن للمعلم أن يوازن بين هذين النمطين عبر وضع تعليمات واضحة، وتخصيص وقت كافٍ، وتنويع الأسئلة.

3. الحد من قلق الاختبار

لتقليل التوتر لدى الطلاب ذوي العصابية المرتفعة، يمكن تقديم نماذج تدريبية قبل الامتحان، وتوفير تغذية راجعة إيجابية، مع تشجيعهم على استخدام أساليب تهدئة بسيطة. أما الطلاب الأكثر استقرارًا فيمكن تكليفهم بمهام تتطلب مرونة أكبر تحت الضغط.

4. اعتماد التقويم المستمر

يساعد التقويم المستمر على تجنب عنصر المفاجأة الذي قد يسبب القلق لبعض الطلاب، كما يوفّر صورة أدق عن مستوى الطالب الحقيقي بعيدًا عن الظروف المؤقتة.

ثالثاً: نماذج تطبيقية داخل الصف

الأنشطة الصفية: يمكن توزيع الطلاب في مجموعات تضم أنماطًا شخصية متنوعة للموازنة بين الحوار والتحليل.

الواجبات المنزلية: إعداد واجبات تحليلية تناسب التفكير الفردي، وأخرى عملية أو تطبيقية للطلاب النشطين.

نظام الدرجات: توزيع الدرجات بين الأعمال الصفية، والاختبارات الكتابية، والمشاريع العملية بما يراعي فروق الشخصيات.

إن توظيف نظرية آيزنك في التعليم يساعد المعلم على فهم أعمق للفروق الفردية بين الطلاب، ويسهم في بناء بيئة تعليمية عادلة ومشجعة. ومن خلال مراعاة أنماط الشخصية في التدريس والتقويم، يصبح التعلم أكثر فاعلية، ويزداد تفاعل الطلاب وثقتهم بأنفسهم، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق نتائج تعليمية أفضل وأكثر شمولًا.

 

التقويم التربوي بين الكمي والكيفي: آفاق جديدة نحو قياسات متعددة أكثر دقة وموضوعية 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬