مقالات

قُتِلتُ يوم قُتِلَ الثورُ الأسود

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي 

ليست كل الهزائم لحظة سقوط، بعضُها يبدأ يوم نختار الصمت، أو نُقايض المبادئ بالسلامة المؤقتة، أو نظن أن الخطر لا يطالنا لأن السهم وُجِّه إلى غيرنا.

تحكي العرب قصة ثلاثة ثيران عاشوا معًا، مختلفي الألوان، لكنهم متّحدون في القوة. لم يكن الأسد قادرًا على النيل منهم مجتمعين، فالوحدة كانت درعهم، والتماسك سر نجاتهم. غير أن المكر لا يواجه القوة مباشرة، بل يتسلل إليها من شقوق الخوف والأنانية.

بدأ الأسد بالثور الأبيض، أو الأسود في رواية أخرى، لم يقتله بقوته، بل بفرقةٍ صامتة. أوهم الآخرين أن بقاء أحدهم خطر، وأن التضحية به ثمنٌ للسلام. فوافقوا، ظانّين أنهم أنقذوا أنفسهم. لم يدركوا أن لحظة التخلي كانت لحظة الحكم النهائي عليهم جميعًا.

لم يُقتَل الثور الأخير يوم افترسه الأسد، بل قُتل يوم رضي بأن يُؤكل صاحبه. يوم صمت عن الظلم لأنه لم يكن الضحية. يوم حسب أن النجاة فردية، وأن الشر يكتفي بواحد.

وهنا تكمن قسوة القصة، فهي لا تحكي عن ثيرانٍ وأسد، بل عن البشر. عن المجتمعات التي تنهار حين تفرّق أبناءها، وعن الصداقات التي تموت حين يُترك أحدهم وحده في وجه الأذى، وعن المؤسسات التي تضعف عندما تُضحّي بأفرادها ظنًّا أن الخلل سيقف عند حدٍّ معين.

إن الظلم لا يتوقف عند أول ضحية، والصمت لا يحمي أحدًا، والتخاذل لا يُنقذ. من يقبل أن يُؤكل غيره اليوم، سيُؤكل غدًا، ولو بعد حين.

لهذا قيل:

قُتِلتُ يوم قُتِلَ الثورُ الأسود

لأن الموت الحقيقي ليس في الافتراس، بل في التفريط…

وفي اللحظة التي نكسر فيها معنى الوقوف معًا

 

المفاهيم المؤسسية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬