الانفصال بين الوالدين.. حين لا يكون الوجع في القرار بل في الطريق إليه

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
ليس كل انفصالٍ نهاية، ولا كل بيتٍ متفرق خرابًا. الأذى الحقيقي لا يُولد من لحظة التوقيع، ولا من إغلاق بابٍ خلفه صدى الذكريات، بل من الطريقة التي يُدار بها هذا الانفصال، ومن الكلمات التي تُقال أمام طفلٍ لا يملك قدرة الدفاع عن قلبه.
فالطفل لا يفهم التفاصيل القانونية، ولا يستوعب تعقيدات الخلاف، لكنه يفهم شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم:
هل ما زلتُ آمنًا؟
هل أنا السبب؟
وهل سيبقى الحب من حولي كما كان؟
كثيرون يظنون أن بقاء الوالدين معًا هو الضمانة الوحيدة لصحة الطفل النفسية، لكن الواقع أعمق من ذلك.
طفل يعيش بين أبوين مجتمعين بالجسد، متخاصمين بالروح، قد ينمو وهو يحمل قلقًا صامتًا، وخوفًا دائمًا، وشعورًا بعدم الاستقرار.
بينما طفل آخر، يعيش مع والدين منفصلين، لكن متفاهمين، محترمين لبعضهما، قد ينشأ أكثر اتزانًا وأمانًا.
الطفل لا يحتاج بيتًا كامل الجدران، بقدر ما يحتاج قلبًا كامل الطمأنينة.
طريقة الانفصال هي التي تصنع الفرق:
حين يُستخدم الطفل كورقة ضغط، ينكسر داخله شيء لا يُرى.
حين يُشوَّه أحد الوالدين أمامه، يتشوه جزء من هويته هو.
حين يُحمَّل فوق طاقته من أسرار الكبار، يشيخ قبل أوانه.
وفي المقابل… حين يُشرح له الانفصال بصدقٍ بسيط، دون اتهام أو تشويه.
حين يُطمأن أن الحب له ثابت لا يتغير.
حين يرى والديه – رغم الفراق – متفقين على احترامه وحمايته…
هنا فقط، يتحول الانفصال من جرحٍ غائر إلى مرحلة يمكن التعايش معها.
الطفل لا يطلب المستحيل،
لا يطلب عودة ما انتهى،
ولا يطالب بحياة مثالية…
هو فقط يريد أن لا يكون ساحة حرب، ولا شاهدًا على كراهية، ولا ضحية لقرارات لم يصنعها.
الانفصال الواعي لا يعني فشل الأسرة،
بل يعني شجاعة الاعتراف بأن السلام أهم من الشكل،
وأن التربية السليمة لا تحتاج سقفًا واحدًا، بل قلوبًا ناضجة.
في النهاية قد ينفصل الوالدان…
لكن إن اتفقا على حماية روح طفلهم،
فقد نجحا، حتى وهما يسيران في طريقين مختلفين.



