مقالات

غرباء تحت سقف واحد

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر

تخيل معي هذا المشهد الذي بات يتكرر في جلّ بيوتنا: عائلة تجتمع حول مائدة العشاء، الأطباق شهية، والإضاءة دافئة، لكن الصمت هو سيد الموقف؛ فلا تسمع سوى قعقعة الملاعق و”رنات” الإشعارات المتتالية التي تسرق العقول والقلوب. الأب يتابع أخبار العالم، والأم تتصفح أحدث الوصور، والآبناء غارقون في عوالم افتراضية خلف شاشاتهم الصغيرة، في مشهد يمثل “الغربة” في أبهى صورها؛ غربة تسكن تحت سقف واحد وتجعل من منازلنا مجرد محطات انتظار أو فنادق باهتة، حيث يلتقي الجميع جسدياً بينما ترحل أرواحهم إلى سحابات رقمية لا تنتهي. هذه الحالة من “العزلة الجماعية” تقتل روح الأسرة وتجعل التواصل الإنساني باهتاً وفاقداً للحميمية، فنحن اليوم نمنح الغرباء في الفضاء الرقمي جُلّ اهتمامنا، بينما نبخل بابتسامة أو كلمة حانية على من يشاركوننا رغيف الخبز والجدران.
لقد حثنا ديننا الحنيف على قدسية الروابط الأسرية، وجعل “السكينة” هي الغاية الأسمى من بناء البيوت، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}، والسكن هنا ليس مجرد جدران صماء، بل هو الطمأنينة التي تأتي من الحوار والمشاركة الوجدانية، وإن ما نفعله اليوم بقطع حبال التواصل من أجل “شاشة” هو نوع من التفريط في الأمانة، فالمسؤولية تجاه الأهل ليست مادية فحسب، بل هي رعاية نفسية وفكرية عميقة، مصداقاً لقول النبي ﷺ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”، فكيف نكون رعاةً لقلوب أبنائنا وعقولهم ونحن نتركهم فريسة للخوارزميات وهم بجانبنا؟ إن الخطر الحقيقي يكمن في “الإحلال”؛ حين يصبح التعبير عن الحب بـ “إيموجي” أسهل من ضمة حقيقية، وحين تغدو الشكوى لمتابعين مجهولين أهون من البوح للأم أو الأب، وهذا الصمت ليس هدوءاً، بل هو ضجيج مكتوم يؤسس لفجوة جيلية قد لا تظهر نتائجها إلا بعد فوات الأوان.
إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى ثورة وعي داخل بيوتنا لترويض هذه التقنية لا لمقاطعتها، وذلك عبر إعادة إحياء “مملكة الحوار” وتخصيص أوقات مقدسة تخلو من الشاشات، لننظر في أعين بعضنا البعض بدلاً من الإشعارات، ونسترجع دفء الحكايا وجمال اللقاء الحقيقي. ففي نهاية المطاف، لن تبقى لنا “اللايكات” ولا عدد المشاهدات حين تضيق بنا الدنيا، بل ستبقى تلك اليد التي تمسك بنا خلف أبواب بيوتنا؛ فالبيوت تُبنى بالحب لا بكلمات المرور، والعمر أقصر من أن نقضيه في ملاحقة سراب رقمي بينما الكنوز الحقيقية تجلس بجانبنا على الأريكة، فلنبدأ اليوم بإغلاق الشاشة وفتح القلب، ولنعد إلى منازلنا قبل أن نفقدها ونحن داخلها.

 

التحول لمواكبة المستقبل

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬