مقالات

المعلّم… هيبته بين الماضي والحاضر

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

كان المعلّم في الماضي أكثر من ناقل معرفة؛
كان قيمةً تمشي على الأرض. يدخل الفصل فتسكن الأصوات، لا خوفًا، بل احترامًا. تُشدّ الظهور قبل الأقلام، وتُفتح القلوب قبل الدفاتر. هيبته لم تكن قسوة، بل حضورًا، ولم يكن صوته مرتفعًا، بل مسموعًا. كان الطلاب يرون فيه قدوة قبل أن يروا فيه معلّمًا، ويهابونه لأنهم يحبونه ويؤمنون برسالته.
في ذلك الزمن، لم تكن الهيبة تُفرض بالقوانين، بل تُصنع بالثقة.
المعلّم يُقدَّر في المجتمع، يُذكر اسمه باحترام، ويُستشار في الشأن والحياة. كلمته تُحسب، ونظرته تُفهم، وكان احترامه يبدأ من البيت قبل المدرسة. فالتلميذ يدخل الفصل وهو يحمل في داخله قناعة أن المعلّم يستحق التقدير، لا لأن المنهج يقول ذلك، بل لأن المجتمع كله يقولها بصمت.
ثم تغيّر الزمن…
وتغيّر معه شكل العلاقة بين المعلّم والطالب. دخلت التقنية، وتعددت المصادر، ولم يعد المعلّم المصدر الوحيد للمعرفة. ومع هذا التغير، اهتزّ مفهوم الهيبة عند البعض، فاختلط الاحترام بالخوف، والحرية بالفوضى، وساء الفهم أحيانًا بين الحقوق والواجبات.
المعلّم اليوم لا تقل قيمته، لكنه يواجه تحديات أكبر.
لم تعد هيبته تُقاس بالصمت في الفصل، بل بقدرته على التأثير، وعلى الاحتواء، وعلى إدارة عقلٍ منفتح يعيش في عالم سريع. صار مطالبًا بأن يكون مربّيًا، وموجّهًا، وصديقًا واعيًا، وحازمًا دون أن يكسر، وقريبًا دون أن يفقد مكانته.
الاحترام الحقيقي للمعلّم لا يتناقض مع التطور.
بل يزداد أهمية معه. فكلما كبر دور المعلّم في بناء التفكير، زادت الحاجة إلى تقديره وحمايته معنويًا. الهيبة اليوم لا تعني المسافة، بل تعني القيمة. لا تعني الخوف، بل تعني الثقة. أن يشعر الطالب أن معلّمه مرجع، وأن يشعر المعلّم أن المجتمع يقف خلفه لا أمامه.
بين الماضي والحاضر، تبقى الحقيقة واحدة:
لا تعليم بلا معلّم، ولا نهضة بلا احترامه. تتغير الوسائل، وتتبدل الأساليب، لكن المعلّم سيظل حجر الأساس، والركن الذي إن أُكرم، أزهر التعليم، وإن هُزّت مكانته، اختلّ كل شيء.
هيبة المعلّم ليست ذكرى من الماضي،
بل مسؤولية في الحاضر، وأمانة نحو المستقبل

رحلة التغيير والتحول ٢٠٣٠ في التعليم: من الهيكلة إلى الأثر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬