حسابات لا تُغلق إلا يوم القيامة

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
في هذه الحياة، قد يظنّ البعض أن بعض الأفعال تمرّ بلا أثر، وأن كثيرًا من الجراح تُنسى مع الزمن، وأن القلوب إذا صمتت فقد انتهى كل شيء. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هناك حسابات لا تُغلق في الدنيا، لأنها مؤجلة إلى يومٍ تُردّ فيه الحقوق كاملة، يومٍ لا يضيع فيه حق مظلوم، ولا يفلت فيه ظالم من عدالة السماء.
فمن خان عهدًا، أو كسر قلبًا صادقًا، أو باع الوفاء بثمنٍ زهيد، أو استغل طيبة الآخرين لمصلحته، فقد فتح على نفسه بابًا من الحساب لن يُغلق إلا أمام الله. ومن تلاعب بمشاعر الناس، أو أرهق أرواحهم، أو استنزف أعمارهم في الحزن والخذلان، فقد ترك أثرًا لا تمحوه الأعذار، لأن بعض الأذى لا يُنسى، وبعض الجراح لا يبرؤها الزمن.
كم من إنسانٍ ظن أن كلماته الجارحة ستذهب مع الريح، وأن ظلمه سيُدفن مع الأيام، وأن دمعة المظلوم ستجفّ وينتهي الأمر. لكنه نسي أن الله يسمع أنين القلوب وإن صمتت، ويرى انكسار النفوس وإن أخفته الوجوه، ويعلم حجم الألم الذي لا تراه العيون. فربّ دعوة خرجت من قلب مكسور بدّلت أقدارًا، وربّ مظلمة صبر صاحبها حتى رفعها إلى السماء، فكانت أشد من كل انتقام.
إن أخطر ما قد يستهين به الإنسان هو ظلم الآخرين؛ لأن الظلم لا يعود على صاحبه فورًا دائمًا، لكنه يدور كدائرة الزمن، حتى يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يظنه قد نجا. فالحياة لا تنسى، والقدر لا يغفل، والله يمهل ولا يهمل.
ولهذا كان الواجب على كل إنسان أن يراجع نفسه قبل أن يراجع حسابه، وأن يُصلح ما بينه وبين الناس قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم. فالكلمة الجارحة دين، والخيانة دين، وكسر الخواطر دين، وأكل الحقوق دين، وكل دين لا يُردّ في الدنيا سيُقتصّ منه في الآخرة.
فاحذر أن تنام مرتاحًا وهناك قلبٌ يتألم بسببك، واحذر أن تبتسم وفي عنقك حقٌ لإنسان ظلمته أو خذلته أو كسرت روحه. لأن العدالة الإلهية لا تسقط، ولأن الله إذا جمع الخصوم يوم القيامة فلن يُظلم أحد.
إنها حقيقة ثابتة:
قد ينسى الناس، وقد يسامح البعض، وقد تصمت القلوب طويلًا…
لكن عند الله لا يسقط شيء، ولا يضيع وجع، ولا تُنسى دمعة.
فليتذكّر الجميع: ليست كل الحسابات تُصفّى في الدنيا، فبعضها ينتظر يوم القيامة




