حين تختار الآيات أن تتكلم

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
في كل زمانٍ هناك من يظن أن السلطة تُخضع كل شيء… حتى القرآن.
وهناك من ينسى أن كتاب الله ليس كلمات تُختصر بأمرٍ، ولا يُقاس بطول الركعات وقِصرها، بل يُقاس بوقعه في القلوب.
تُروى القصة عن أميرٍ كان يصلي خلف إمام يطيل القراءة، فضاق صدره، ونهر الإمام أمام الناس، وأمره أن لا يقرأ في الركعة الواحدة إلا بآية واحدة.
ظنّ الأمير أن الأمر مسألة تنظيم وقت، وأن الهيبة تُفرض بتقليل الكلمات.
لكن الإمام لم يجادل، ولم يخاصم، ولم يخرج عن الطاعة.
صلى بهم المغرب… وامتثل للأمر حرفيًا.
في الركعة الأولى، وبعد الفاتحة، قرأ قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾
وفي الركعة الثانية، قرأ:
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾
آيتان فقط… كما أراد الأمير.
لكن أيّ آيتين!
هنا لم يكن الطول هو المؤثر… بل المعنى.
لم يكن عدد الكلمات هو القضية… بل الرسالة التي حملتها.
كأن الإمام قال دون أن ينطق:
إن طاعة السادة إذا أضلت، فالمسؤولية مشتركة.
وإن القيادة إن لم تكن على هدى، فهي باب فتنة لا باب هداية.
وقف الأمير لحظة، شعر بثقل الآيتين، ورأى نفسه بين السطور.
فقال للإمام: “طوِّل ما شئت، واقرأ ما شئت… غير هاتين الآيتين.”
وهنا تتجلّى الحقيقة:
القرآن لا يُقاس بطوله، بل بصدق إصابته.
آية واحدة قد تهز عرشًا.
وكلمة حق قد تُربك سلطانًا.
إنها رسالة لكل صاحب منصب، ولكل قائد، ولكل مسؤول:
لا تخشَ طول الموعظة… بل اخشَ أن تكون أنت المقصود بها.
ولكل إمامٍ وصاحب كلمة:
الحكمة ليست في المواجهة الصاخبة، بل في اختيار التوقيت والآية.
في النهاية…
ليس كل اختصار راحة، وليس كل إطالة مشقة،
لكن القرآن… إذا لامس موضعه، أوجع بلطف، وأصلح بصدق.
لأن الكلمة حين تخرج من نور… لا تحتاج أن تطول، يكفي أن تصيب.



