مقالات

حين تتحدث قطرات المطر

بقلم الكاتبة :فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة :فاطمة عواجي 

ليست قطرات المطر مجرد ماءٍ يهطل من السماء، بل هي رسائل رحمة تهبط برفقٍ إلى الأرض، تحمل معها حياةً جديدة، وطمأنينةً خفية، وشعورًا لا يشبهه شيء في هذا العالم. فحين يبدأ المطر بالهطول، لا يتغير الطقس فقط، بل يتغير شيءٌ في داخل الإنسان؛ تهدأ روحه، وتلين مشاعره، ويشعر وكأن السماء تعانق الأرض في مشهدٍ مهيب لا تملّه الأرواح.

لقطرات المطر سحرٌ خاص لا يُشبه أي صوت آخر، فهي حين ترتطم بالنوافذ والأسطح تصنع لحنًا هادئًا كأن الطبيعة كلها تُنشد أنشودة سلام. ذلك الصوت الذي يدخل إلى القلب قبل الأذن، ويوقظ في النفس شعورًا بالسكينة لا يمكن وصفه، وكأن كل قطرة تحمل معها راحةً خفية تمسّ الروح بلطف.

والمطر في جوهره ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل رمزٌ للأمل بعد الجفاف، وبشارةٌ بأن بعد كل قحطٍ ارتواء، وبعد كل صبرٍ فرج. إنه يعلمنا أن السماء مهما احتبست يومًا، فلا بد أن تمطر، وأن الخير وإن تأخر فلا بد أن يأتي في وقته الجميل. لذلك ارتبط المطر دائمًا في وجدان البشر بالتفاؤل، وبالبدايات الجديدة، وبالرحمة التي تهبط حين يظن الناس أن الأرض أنهكها العطش.

وما أجمل منظر الأرض بعد المطر؛ حين تتبدل ملامحها، ويعلو عبير التراب المبتل ليملأ المكان برائحة يعشقها القلب قبل الأنف. تلك الرائحة التي تحمل ذكريات لا تُنسى، وتوقظ في النفس حنينًا غريبًا لأيامٍ قديمة، ولمشاعر دافئة ارتبطت في الذاكرة بأصوات الشتاء، ونوافذ البيوت، وأكواب القهوة، ودعوات المساء.

إن لقطرات المطر قدرة عجيبة على غسل ما في النفس قبل أن تغسل الطرقات. فكثيرًا ما يقف الإنسان أمام نافذته في ليلة ممطرة، يراقب السماء وهي تبكي، فيشعر أن شيئًا من همومه ينساب معها، وأن قلبه صار أخفّ مما كان. كأن المطر لا ينزل على الأرض فقط، بل ينزل على الأرواح المتعبة ليمنحها شيئًا من السلام.

ولعل أعظم ما في المطر أنه يُشبه الحياة؛ يبدأ بقطراتٍ صغيرة، ثم يتحول إلى غيثٍ يغمر كل شيء. وهكذا هي النعم، وهكذا هي الأفراح، تبدأ أحيانًا بأمور بسيطة لا ننتبه لها، ثم تكبر حتى تملأ أيامنا جمالًا. لذلك يعلمنا المطر ألا نستهين بالبدايات الصغيرة، فرب قطرة كانت بداية نهر.

في النهاية، سيبقى المطر أكثر من مجرد ماءٍ يسقط من السماء؛

سيبقى لحظة صفاء، ورسالة أمل، ونبض جمالٍ لا يشيخ مهما تكرر.

فما دام المطر يهطل، فثمة دائمًا ما يذكرنا أن السماء قادرة على أن تمنح الأرض حياة…

وأن الله قادر على أن يرسل الفرج بعد كل انتظار.

اربطوا عوض… وفكّوا التيس

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬