مقالات

التوازن سر السعادة

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر

في عصر أصبح فيه الوقت أسرع من طاقتنا، والمقارنات أسرع من إنجازاتنا، صار الإنسان يقف في المنتصف بين ثلاثة مطالب تُشدّه في الاتجاهات كافة: هدفه الشخصي، وظيفته، وأسرته. ومع تعقّد الحياة الحديثة ودخول العمل في كل تفاصيل اليوم بفضل التكنولوجيا، لم يعد الفصل بين هذه المساحات أمرًا سهلًا ولا بديهيًا كما كان في الماضي. فالتقدّم المهني لم يعد مجرد وظيفة، بل أصبح هوية وطموحًا ووسيلة للوجود الاجتماعي؛ والأسرة لم تعد إطارًا تقليديًا فقط، بل جزءًا من البناء النفسي والعاطفي للفرد؛ بينما الأهداف الشخصية تمثّل الحلم الذي لا يمكن التنازل عنه مهما اشتدّ الزحام.
المشكلة لا تكمن في وجود هذه الأدوار الثلاثة، بل في تكاثرها وتداخلها دون تنظيم، حتى بات الإنسان يعمل بوعي وغير وعي في اللحظة نفسها. فالأم التي تطارد ترقيتها المهنية هي ذاتها التي تتابع واجبات الأبناء وتكون الحلقة الأهم في تماسك البيت، والأب الذي يقضي ساعات في الاجتماعات الافتراضية ويحمل معه التزامات العمل إلى غرف المنزل، هو نفسه الذي يحمل مسؤولية الحضور العاطفي والتربوي. وهكذا يصبح الوقت وحدة حساب معقدة لا تتسع لكل ما يريد الإنسان فعله، فيتسلل الإرهاق، وينحدر التركيز، وتتراجع العلاقات الأسرية
بهدوء دون إعلان واضح.
ومع غياب الموازنة، تبدأ النتائج في الظهور: احتراق وظيفي، نوم مضطرب، توتر في العلاقات الزوجية، تآكل في الحضور العاطفي مع الأبناء، وتراجع في الشعور بالمعنى. هذه ليست نتائج فردية بل اجتماعية؛ فالعائلة حين تضعف، يضعف بعدها البناء الذي يحمي المجتمع من التفكك. وليس أدلّ على ذلك من التحذيرات التي تصدرها مؤسسات دولية حول أثر العمل المستمر والضغط المهني على الصحة النفسية والروابط الأسرية، إذ تشير تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية إلى أن الاحتراق المهني أصبح مشكلة عامة لا تخص قطاعًا واحدًا أو فئة واحدة، وأن الأدوار الأسرية لم تعد محمية من آثار هذا الاحتراق.
إن إعادة التوازن لا تعني العيش في حالة مثالية لا تتعارض فيها الطموحات مع الالتزامات، بل إدراك أن النجاح ليس خطًا مستقيمًا بل حوارًا مستمرًا بين ما نريده لأنفسنا وما ينتظره منا الآخرون الذين نحبهم. فالتوازن في جوهره ليس مسألة توزيع وقت بل توزيع معنى، وتحديد ما يستحق أن يُعطى طاقة واهتمامًا. وحين يُفهم هذا المعنى، يصبح العمل أكثر استدامة، والأسرة أكثر قوة، والأهداف الشخصية أكثر واقعية وإثمارًا.
إن سرّ السعادة في قدرة الشخص على الموازنة بين أهدافه المهنية وما تستلزمه الأسرة من حضور ودعم وبناء، لأن غياب هذا التوازن لا يصنع مجرد تعب فردي، بل يقود إلى دمار اجتماعي صامت، وتفكك أسري تتراكم
نتائجه عبر الأجيال. فحيث يفشل الإنسان في تحقيق الوفاق بين هذه الأدوار، يفشل المجتمع كله في أن يحافظ على تماسكه.

 

غرباء تحت سقف واحد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬