جيل الشاشات… وذاكرة الحكايات

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
كان يا ما كان… ثلاث كلمات كانت كفيلة بأن تُسكت ضجيج الأطفال، وتجمع القلوب الصغيرة حول صوت أبٍ أو أمٍّ أو جدّة، لتبدأ رحلة لا تُقاس بالدقائق، بل بما تتركه في النفوس من قيم ومبادئ ودروس تبقى ما بقي العمر.
لم تكن الحكايات يومًا مجرد وسيلة لتسلية الأطفال قبل النوم، بل كانت مدارس تُفتح أبوابها في البيوت، ومناهج تُدرَّس دون كتب، ودروسًا في العقيدة والأخلاق والرحمة والصبر والشجاعة والصدق والأمانة.
كان الطفل يسمع قصة يوسف عليه السلام، فيتعلم أن الصبر لا يضيع عند الله، وأن الظلم مهما طال لا ينتصر إلى الأبد. ويسمع قصة موسى عليه السلام، فيدرك أن قدرة الله أعظم من جبروت الطغاة، وأن البحر الذي تراه العيون نهايةً قد يجعله الله طريقًا للنجاة.
ويستمع إلى قصة أيوب عليه السلام، فيتعلم أن البلاء لا يعني غياب رحمة الله، وأن الصبر عبادة لا يعرف عظمتها إلا من ذاق مرارة الابتلاء. وتُروى له قصة إبراهيم عليه السلام، فينشأ على اليقين والتوكل والثبات على الحق.
وكانت سيرة نبينا محمد ﷺ حاضرةً في مجالسنا، نعرف منها كيف يكون العفو عند المقدرة، وكيف تُصان الأمانة، وكيف تُحفظ الحقوق، وكيف تُبنى المجتمعات بالرحمة والعدل وحسن الخلق.
هكذا كانت الحكايات تصنع الإنسان قبل أن تصنع له الحياة مستقبلًا.
ثم دارت عجلة الزمن، وتبدلت المجالس، وخفتت الأصوات التي كانت تروي، وحلّت الشاشات محل الوجوه، وأصبحت أصابع الأطفال تتقن التنقل بين التطبيقات قبل أن تتقن تقليب صفحات كتاب.
ويا لوجع السؤال حين تسأل طفلًا عن أسماء الأنبياء الذين يعرفهم، أو عن مواقف من سيرة رسول الله ﷺ، أو عن معنى آية يرددها في صلاته، فتكتشف أن بعض ما كان بالأمس من أبسط المعارف أصبح اليوم غائبًا عن ذاكرته!
ليس لأن الطفل أقل ذكاءً، ولا لأن هذا الجيل عاجز عن الفهم، بل لأننا أحيانًا منحناه وسائل المعرفة، ونسينا أن نمنحه مفاتيحها.
علّمناه كيف يفتح العالم بضغطة إصبع، ولم نعلّمه دائمًا كيف يفتح قلبه على كتاب الله.
أصبحنا نركض خلف التحول الرقمي، ونحتفي بالذكاء الاصطناعي، ونتسابق إلى أحدث التقنيات، حتى بات العالم بأكمله في متناول أيدينا، ولكن السؤال المؤلم: هل بقيت القيم والمعارف الأساسية في متناول قلوب أبنائنا؟
لسنا ضد التقنية، ولا ضد التطور؛ فالعلم نعمة، والتقدم ضرورة، والتكنولوجيا من أعظم الوسائل التي يمكن أن تخدم الإنسان. ولكن المصيبة حين تتحول الوسيلة إلى بديل عن التربية، وحين نمنح أبناءنا الأجهزة وننسحب من مسؤولية التوجيه، ونترك للخوارزميات أن تختار ما يدخل عقولهم، وللمحتوى العابر أن يشاركنا في تشكيل شخصياتهم.
لقد أصبح الخير والشر يُقدَّمان على الشاشة ذاتها، في قوالب براقة، وقد يُغلَّف الخطأ بأجمل الصور، ويُقدَّم السلوك المنحرف في ثوب الترفيه والحرية والشهرة، حتى يعجز بعض الصغار عن التمييز بين ما يستحق الاقتداء وما يستوجب الحذر.
وأخطر ما في الأمر أننا قد نرى أبناءنا يتقدمون تقنيًا، بينما تتراجع صلتهم بجذورهم المعرفية والروحية دون أن نشعر.
أين الحكاية التي كانت تبدأ باسم الله وتنتهي بعبرة؟
أين الأب الذي يجلس إلى أبنائه فيروي لهم قصة نبي، أو موقفًا من سيرة صحابي، أو حكاية عن بر الوالدين وردّ المظالم؟
أين الأم التي كانت تغرس في قلب طفلها مراقبة الله قبل أن يتعلم الخوف من عقاب البشر؟
وأين المدرسة التي تجعل من القصة نافذة إلى القيم، لا مجرد نص يُقرأ، وأسئلة تُجاب، ودرجات تُرصد ثم تُنسى؟
إننا لا نفتقد الحكايات وحدها، بل نفتقد ذلك الأثر الذي كانت تتركه بعد انتهائها؛ حين ينام الطفل وهو يتخيل بطولة الصادق، وعاقبة الظالم، ورحمة الله بالتائب، وجمال الإحسان إلى الآخرين.
فالقصة التي تدخل عقل الطفل قد ينساها، أما القصة التي تدخل وجدانه فقد ترافقه عمرًا كاملًا، وتنهض في ضميره حين يقف أمام اختبار بين الحق والباطل.
وما أشد حاجتنا اليوم إلى أن نعيد النظر في بعض ما نقدمه لأبنائنا من تعليم ومحتوى! فليست كثرة المعلومات دليلًا على عمق المعرفة، ولا إتقان الأجهزة دليلًا على اكتمال الوعي، ولا ارتفاع الشهادات ضمانًا لرسوخ القيم.
قد نحمل بين أيدينا أحدث الأجهزة، ونصل إلى ملايين الكتب والمصادر في ثوانٍ، ثم نعجز عن استحضار قصة واحدة نربي بها طفلًا، أو حكمة نواسي بها حزينًا، أو موقف من سيرة الأنبياء نعلّم به أبناءنا كيف يواجهون الحياة.
يا لها من مفارقة موجعة! اتسعت أمامنا أبواب المعرفة، وضاقت في بعض بيوتنا مجالس الحكمة.
أيها الآباء والأمهات، أيها المربون وصنّاع المحتوى…
أعيدوا للحكاية مكانتها، وللقصة رسالتها، وللبيت دوره الأول في بناء الإنسان.
احكوا لأبنائكم عن الأنبياء، عن الصالحين، عن الصبر بعد البلاء، وعن الفرج بعد الشدة، وعن الأمانة حين تغيب أعين الناس، وعن الرحمة حين يقسو العالم.
لا تجعلوا علاقتهم بالدين محصورة في الحفظ والاختبار، بل اجعلوهم يرون جمال تعاليمه في مواقف الحياة، ويسمعون قصصه بقلوبهم قبل آذانهم.
واستخدموا التقنية نفسها لإحياء ما خفت من هذه المعاني؛ فليست المشكلة في الشاشة، بل فيما نختار أن نعرضه عليها، وليست في سرعة العصر، بل في أن نسبق أبناءنا إلى المستقبل وننسى أن نمنحهم ما يحفظ هويتهم وهم يسيرون إليه.
فالأمم لا تفقد هويتها حين تتغير أدواتها، وإنما حين تنقطع الصلة بين أجيالها وقيمها وذاكرتها.
وأخشى ما نخشاه أن يأتي يوم نسأل فيه أبناءنا: ماذا تعرفون عن أنبيائكم؟ فلا نجد إلا صمتًا، بينما تنطلق ألسنتهم بأسماء المشاهير، وتفاصيل الألعاب، وأخبار العالم الافتراضي.
حينها لن يكون السؤال الحقيقي: لماذا لا يعرف أبناؤنا؟
بل سيكون السؤال الذي ينبغي أن يوقظ ضمائرنا جميعًا:
من الذي كان عليه أن يحكي لهم… ولم يفعل؟
وفي الختام…
لا أريد أن يعود الزمن إلى الوراء، ولا أن يتخلى أبناؤنا عن أدوات عصرهم، ولكنني أتمنى أن تعود إلى بيوتنا تلك اللحظة الدافئة التي يجلس فيها طفل إلى جوار والديه، ويقول بعينين تلمعان شوقًا:
احكوا لي قصة…
فنحكي له قصة نبي، ونزرع في قلبه قيمة، ونترك في روحه نورًا قد يهديه حين تظلم أمامه الطرق.
فلا تجعلوا أبناءكم يعرفون كل شيء عن العالم، ويجهلون ما ينبغي أن يعرفوه عن دينهم وقيمهم وأنفسهم.
علّموهم كيف يواكبون العصر، ولكن لا تنسوا أن تعلّموهم كيف يثبتون أمام فتنته؛ فقد تمنح التقنية أبناءنا العالم بين أيديهم، أما التربية فتمنحهم البصيرة التي يعرفون بها أين يضعون أقدامهم.
وأخيرًا… أخبروا أبناءكم بالحكايات قبل أن يكتب لهم العالم حكايات لا تشبه قيمكم، ولا تشبه ما تمنيتم أن يكونوا عليه.




