Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
هندام

في خزانة كل امرأة… حكاية لا تُرتدى

عفت عسلي

عفت عسلي

تمدّين يدكِ لترتيب خزانتكِ، عازمةً هذه المرة على التخلّص من كل ما لم تعودي ترتدينه. تخرج قطع، وتُطوى أخرى، ثم تصلين إلى ذلك الفستان… فتتوقفين.

تُمرّرين أصابعكِ على قماشه، تفردينه أمامكِ، وتبتسمين. للحظة، تعودين إلى يوم بعيد، إلى مكان تعرفينه، وإلى وجوه تسمعين أصواتها كأنها ما زالت قريبة. ثم تطوينه برفق وتعيدينه إلى مكانه، مع أنكِ تعرفين أنكِ لن ترتديه.

في خزانة كل امرأة تقريبًا قطعة كهذه. فستان تخرّج، أو ثوب من أول راتب، أو عباءة اختارتها أمّ بذوقها، وقالت وهي تقدّمها: «هذا اللون يليق بكِ». قد تمرّ السنوات، وتتغيّر المقاسات والأذواق والبيوت، وتظل تلك القطعة تنتقل معنا، ملفوفة بعناية، كأن لها حقًا قديمًا في البقاء.

وحين يسألنا أحد: «لماذا تحتفظين بها وأنتِ لا ترتدينها؟»، يصعب أن نشرح الحكاية كلها. فنكتفي بقولنا: «للذكرى».

وكم تختصر هذه الكلمة من مشاعر.قد تكون القطعة بسيطة، خالية من أي قيمة تلفت انتباه الآخرين، لكننا نتذكّر تمامًا كيف وصلت إلينا. نتذكّر يدًا رفعتها أمامنا لتقيس طولها، ووجهًا أشرق حين رآنا نرتديها، وصوتًا قال بإعجاب صادق: «ما أجملكِ».

هناك ملابس نحتفظ بها لأن من أهدانا إياها لم يعد قريبًا كما كان. وربما لم يعد موجودًا. نفتح الخزانة فنراها، فنطمئن إلى أن شيئًا ملموسًا منه ما زال هنا.

نعرف ملمس القماش الذي اختاره، ونتذكّر طريقته في تغليف الهدية، وما قاله يومها. تفاصيل صغيرة لم نكن نعلم، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا بهذا الغلاء.

وهناك قطع تحتفظ بنسخة سابقة منّا. فستان ارتديناه حين كنّا ننتظر الحياة بشغف، أو جاكيت صاحب أول يوم عمل، أو ثوب جهّزناه لمناسبة ظللنا نعدّ الأيام حتى تأتي. ننظر إليها فنرى المرأة التي كنّاها: أحلامها، ارتباكها، فرحتها، وكل ما كانت تظن أنه ينتظرها.

أحيانًا نقرّب القطعة من أجسادنا أمام المرآة، ونضحك: كيف كان هذا مقاسي؟ ثم يسحبنا السؤال إلى ما هو أبعد من القياس. نتذكّر البيت الذي كنّا نسكنه، والصديقة التي ساعدتنا في الاختيار، والوقت الطويل الذي أمضيناه في الاستعداد. وقد نكتشف أننا نسينا تفاصيل المناسبة، لكننا ما زلنا نذكر ما ارتديناه فيها.

لذلك، يستحق ترتيب هذه المساحة من الخزانة شيئًا من الرفق. فالقرار هنا يحتاج إلى وقت، وقد يحتاج إلى جلسة هادئة نستعيد فيها الحكاية قبل أن نقرّر مصير القطعة.

يمكن لبعض الذكريات أن تبقى في صورة، نكتب خلفها متى ارتدينا الفستان، ومن كان معنا، وما الذي جعل ذلك اليوم مختلفًا. ويمكن لقطعة أخرى أن تُهدى إلى ابنة أو قريبة، تحمل إليها حكايتها وتبدأ معها حكاية جديدة. وقد نختار صندوقًا صغيرًا نحفظ فيه أغلى ما لدينا، بعيدًا عن ازدحام الملابس اليومية.

وثمة قطعة سنظل نرغب في إبقائها كما هي. وهذا أيضًا اختيار مفهوم.. لا ضرورة لأن نجد لكل ما نحب استخدامًا جديدًا، أو أن نعتذر عن مساحة صغيرة تشغلها ذكرى عزيزة.

من خلال عملي في استشارات المظهر، أرى أن فهم علاقة المرأة بملابسها يحتاج إلى الإصغاء. فقد تحمل القطعة التي تبدو قديمة في نظرنا سببًا عميقًا لبقائها في خزانتها. وحين تحكي صاحبتها قصّتها، نفهم لماذا تطويها بتلك العناية، ولماذا يتغيّر صوتها وهي تقول: «هذه أهدتني إياها أمي».

وربما، في المرة القادمة التي تفتحين فيها خزانتكِ، ستقعين على قطعة لم تلمسيها منذ سنوات. أخرجيها قليلًا، تذكّري يومها، واسمحي لنفسكِ أن تبتسمي أو تدمعي. ثم اختاري لها المكان الذي يريح قلبكِ.

وإن طويتِها وأعدتِها إلى الرف، فلا بأس.

قد يأتي يوم تسألكِ فيه ابنتكِ: «لماذا تحتفظين بهذا الفستان؟»

فتجلسين إلى جوارها، وتقولين: « لهذا الفستان حكاية…».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬