لا تمنح الجميع كلمة المرور

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
أخطر ما نفعله بأنفسنا أحيانًا ليس أن نثق بالآخرين، بل أن نمنحهم صلاحيات تتجاوز مكانتهم في حياتنا؛ كلمة عابرة منهم تغيّر يومنا، تجاهلٌ بسيط يهز ثقتنا بأنفسنا، نظرة لا نفهمها تجعلنا نراجع قيمتنا، ورأي لا يملك صاحبه شيئًا من تفاصيلنا يتحول فجأة إلى حكم نهائي علينا.
في عالم الأمن السيبراني هناك مبدأ بالغ الذكاء يسمى «الحد الأدنى من الصلاحيات»؛ فكل مستخدم لا يحصل إلا على القدر الذي يحتاجه من الوصول، لأن اتساع الصلاحيات يعني اتساع مساحة الخطر. والغريب أننا نحمي الأجهزة بهذه الحكمة، ثم نترك أرواحنا بلا جدران حماية؛ يدخلها العابر، ويتجول فيها الفضولي، ويعبث بمزاجها شخص ربما لا يعرف حتى نصف القصة.
بعض الناس يستحقون أن يعرفوا اسمك، لكنهم لا يستحقون معرفة ضعفك. وبعضهم يصلحون للصحبة، لا للاستشارة. وبعضهم لهم مكان في يومك، لكن ليس لهم مقعد في القرارات التي ترسم مستقبلك. المشكلة ليست دائمًا في الناس، بل في الصلاحيات التي منحناها لهم ثم غضبنا عندما استخدموها.
نحن من نرفع أشخاصًا عاديين إلى رتبة «المتحكم» في مشاعرنا، فننتظر رضاهم، ونخشى عتابهم، ونتألم من صمتهم، ونبرر أنفسنا أمامهم باستمرار، وكأن مفاتيح طمأنينتنا أصبحت معلقة في جيوب الآخرين.
النضج لا يعني أن تتحول إلى إنسان مغلق لا يثق بأحد، ولا أن تبني حول قلبك سورًا لا يُفتح. النضج هو أن تعرف من يستحق أي مساحة. هناك فرق كبير بين أن تحب إنسانًا وأن تمنحه القدرة على تحطيمك، وبين أن تحترم رأيًا وأن تسمح له بإلغاء رأيك في نفسك.
ليس كل من اقترب أصبح أمينًا على أسرارك، وليس كل من استمع أصبح مؤهلًا لتفسير حياتك، وليس كل من نصحك يملك الصورة كاملة. كثير من الأخطاء تبدأ عندما نتحدث أكثر مما ينبغي مع الأشخاص الخطأ، ثم نستغرب كيف خرجت تفاصيلنا من الأماكن التي أودعناها فيها بأيدينا.
وأجمل الحدود ليست تلك التي تقول للآخرين: «ابتعدوا»، بل التي تقول لنفسك: «هذا الشخص لا يملك هذه الصلاحية.»
لا يملك صلاحية أن يحدد قيمتك.
ولا أن يسرق يومك بكلمة.
ولا أن يجعلك تعتذر عن طبيعتك طوال الوقت.
ولا أن يحوّل اختلافه معك إلى شك داخلي في نفسك.
فكر قليلًا في عدد الأشخاص الذين يعيشون داخل رأسك بلا إيجار؛ أشخاص أنهوا حديثهم منذ ساعات، وربما نسوه، بينما لا تزال أنت تعيد الجملة عشر مرات، وتفسر النظرة، وتحلل الصمت، وتضع احتمالات لم تخطر أصلًا على بال صاحبها.
هذه ليست حساسية زائدة بقدر ما هي صلاحيات زائدة.
الراحة تبدأ عندما تستعيد إدارة نظامك الداخلي. تسمع ولا تحمل كل ما تسمع. تحب دون أن تلغي نفسك. تسامح دون أن تعيد منح الشخص المفاتيح نفسها. وتقبل النقد دون أن تحوله إلى تعريف لهويتك.
حتى المسامحة لا تعني إعادة الصلاحيات. يمكنك أن تسامح إنسانًا وتظل المسافة بينكما كما هي؛ فإصلاح القلب شيء، وإعادة الوصول إليه شيء آخر.
في الحياة أشخاص يستحقون «وصولًا كاملًا» لأنهم أثبتوا بالأيام أنهم موضع أمان، وأشخاص يكفيهم «العرض فقط»، وآخرون انتهت صلاحية دخولهم منذ زمن لكننا لم نملك الشجاعة لنضغط زر الخروج.
ولعل أكثر ما يستنزف الإنسان أنه يحاول أن يكون مفهومًا لدى الجميع. والحقيقة أنك لن تستطيع. سيقرأك كل شخص من خلال تجربته، وأفكاره، ومخاوفه، ونقصه، وظنونه. لذلك لا تجعل سوء فهم أحد لك يتحول إلى قضية تستنزف عمرك كله.
احمِ خصوصيتك كما تحمي هاتفك، واختر من يدخل إلى تفاصيلك كما تختار كلمات المرور، وراجع صلاحيات القريب قبل البعيد؛ فليست كل الأبواب تُكسر من الخارج، بعض الأبواب فُتحت لأشخاص لم يكن يفترض أن يمتلكوا مفاتيحها أصلًا.
وفي النهاية، السلام الداخلي لا يحتاج دائمًا إلى تغيير العالم من حولك؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى إعادة ضبط الصلاحيات.
فليس كل من طرق بابك يستحق الدخول،
وليس كل من دخل يستحق البقاء،
وليس كل من بقي يستحق أن يتحكم في لوحة المفاتيح.
ابقَ أنت المسؤول الأول عن نظامك الداخلي؛ فالقلب الذي يعرف من يمنحه الصلاحية، أقل عرضة للاختراق.




