بعض الأماكن نغادرها… لكنها لا تغادرنا

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
في التعليم لا تبدأ الحكاية من وظيفة، بل من مقعد صغير جلسنا عليه يومًا ونحن لا نعرف إلى أين ستأخذنا الحياة. هناك بدأت الخطوات الثانية بعد خطوات البيت الأولى؛ ففي المنزل تعلّمنا الكلام والمشي، وفي المدرسة تعلّمنا كيف نرى العالم، وكيف نفهمه، وكيف نصنع لأنفسنا مكانًا فيه.
فيه أكملنا مشوار التربية والتعليم، وعشنا أجمل سنوات التكوين، ومنه خرجت أحلامنا إلى الحياة. منا من عاد إليه معلّمًا يحمل الرسالة التي حملها له معلموه من قبل، ومنا من مضى طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا أو إداريًا أو قائدًا، لكن الجميع خرج من البوابة نفسها؛ من بوابة التعليم التي منحت الإنسان أول مفاتيح المعرفة، وأول ملامح الحلم، وأول يقين بأن لكل إنسان مكانًا يمكن أن يصنعه بجهده.
والأجمل أن بعضنا لم يبتعد عنه طويلًا؛ عاد إلى الميدان نفسه، ولكن من الجهة الأخرى. بالأمس كان طالبًا ينتظر من يعلّمه، واليوم أصبح هو من يحمل الرسالة، يشرح، ويوجّه، ويبني، ويترك في جيل جديد شيئًا مما تركه فيه من سبقه. وكأن التعليم لا يسلّمنا الشهادة فقط، بل يسلّم بعضنا الأمانة نفسها ويقول له: لقد جاء دورك الآن.
ولهذا، حين ينتقل بعض أبناء التعليم إلى جهات أخرى، فإنهم لا يتركون خلفهم ما تعلّموه فيه، بل يحملونه معهم إلى مواقع جديدة؛ يحملون الخبرة والانضباط وقيمة المسؤولية، وكل ما شكّلته سنوات العمل فيهم. فالوجهة قد تتغير، أما الجذور فلا تتغير. ومن عاش طويلًا في التعليم يعرف أن الخروج منه لا يشبه مغادرة مكان عابر، بل يشبه خروج الأبناء من بيوت آبائهم وأمهاتهم إلى ميادين الحياة؛ يبتعدون بالمكان، لكنهم يحملون التربية والانتماء معهم أينما ذهبوا.
وليست كل القرارات مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ فبعضها يطوي فصلًا عزيزًا من العمر، ويضع نقطة في نهاية سطرٍ كُتب بسنوات من العمل والعطاء، ثم يفتح أمام الإنسان صفحة جديدة، يحمل إليها كل ما تعلّمه في الصفحات السابقة.
واليوم، وأنا أتهيأ لمغادرة التعليم بعد أعوامٍ من المسيرة، أدرك أن الإنسان قد يغادر المكان بقرار، لكنه لا يستطيع أن يغادر كل ما تركه المكان في داخله.
أنا ابنة التعليم… ولم تكن هذه العبارة يومًا وصفًا وظيفيًا بالنسبة لي، بل انتماءً تشكّل مع الأيام. ففي هذا الكيان بدأت خطواتي، وبين أروقته تعلّمت، ومن تجاربه نضجت، ومع أهله صنعت ذكرياتٍ وإنجازاتٍ ومواقف ستبقى جزءًا من حكايتي مهما تغيّرت الوجهات.
التعليم ليس مجرد مدارس ومكاتب وأنظمة؛ إنه البيت الكبير الذي تبدأ منه حكايات الوطن. منه خرج المعلم الذي علّم الأجيال، والطبيب الذي داوى الإنسان، والمهندس الذي بنى، والطيار الذي حلق، والإداري الذي أدار، والقائد الذي حمل المسؤولية. خلف كل مهنة حكاية بدأت يومًا من مقعد في مدرسة، ومن يد معلم، ومن وطن آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار.
ويقال إن البنت سر أبيها… وأقولها اليوم بكل وفاء:
التعليم أبي، ووزارته أمي؛ بينهما نشأت مهنيًا، ومنهما تعلمت أن العمل أمانة، وأن الإخلاص قيمة، وأن المناصب تنتهي، والمهام تتغير، لكن الأثر الجميل وحده هو الذي يبقى.
وكان للثقافة المؤسسية في هذه الرحلة مكان مختلف في القلب؛ لأنها لم تكن بالنسبة لي مهمة تؤدى، ولا ملفات تُنجز، ولا مؤشرات تُقاس فحسب، بل كانت إيمانًا بأن المؤسسات العظيمة تُبنى بالإنسان قبل الأنظمة، وبالقيم قبل الشعارات، وبروح الفريق قبل الأرقام.
فيها عرفت أشخاصًا جمعتني بهم المواقف قبل الاجتماعات، والعمل قبل المسميات. تقاسمنا الفكرة والمسؤولية، واختلفت مناطقنا ومسافاتنا، لكننا التقينا على هدف واحد. ومن أجمل ما تركته هذه الرحلة في نفسي أنها منحتني وجوهًا طيبة في أنحاء الوطن، وذكريات لا تختصرها التقارير ولا تحفظها الملفات، بل يحفظها القلب.
واليوم، حين ألتفت إلى الخلف، لا أريد أن أحصي كم مهمة أنجزت، ولا كم مشروعًا شاركت فيه، ولا كم منصبًا أو مسؤولية مرّت بي؛ فكل ذلك سيصبح يومًا سطرًا في سيرة مهنية.
ما يعنيني أكثر هو: ماذا تركت في القلوب؟
هل كنت عونًا حين احتاجني أحد؟
هل صنعت فرقًا ولو صغيرًا؟
هل مررت من هنا بخفةٍ لا تؤذي أحدًا، وبأثرٍ يجعل من عرفني يذكرني بخير؟
ذلك هو الإنجاز الذي لا تمنحه شهادة، ولا يثبته خطاب، ولا يحتاج إلى توقيع.
وأمنيتي وأنا أطوي هذه الصفحة أن يكون لي في المكان الذي أحببته أثرٌ يشبه محبتي له، وأن تختصر سنواتي كلها يومًا في كلمات بسيطة:
لا أكتب اليوم كلمة وداع؛ لأن بعض الانتماءات أكبر من أن ينهيها قرار، وبعض البيوت وإن خرجنا من أبوابها تبقى أبوابها مفتوحة في أرواحنا.
سأمضي إلى فصل جديد من الحياة ممتنةً لكل يدٍ ساندتني، ولكل قلبٍ احتواني، ولكل زميل وزميلة شاركوني يومًا فكرة أو نجاحًا أو موقفًا جميلًا. سأحمل معي الوجوه والذكريات والدروس، وأترك خلفي دعاءً صادقًا لكل من جمعتني بهم هذه المسيرة.
فالابنة قد تغادر بيت أبيها وأمها… لكنها لا تغادره من قلبها.
وهكذا هي بعض الأماكن؛ نغادر مكاتبها، ونطوي ملفاتها، ونسلّم آخر مهامنا فيها…
ثم نكتشف أننا لم نغادرها تمامًا.
لأن بعض الأماكن نغادرها… لكنها لا تغادرنا.




