مقالات

في التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة ..هل حسبنا الرؤوس ونسينا العقول؟

بقلم: د.مشاعل الغفيلي

بقلم: د.مشاعل الغفيلي

قال تعالى ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ

———————————————–

أرسى القرآن الكريم معنى الاستعداد للمستقبل في قوله تعالى: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، وهي دلالة عامة على أهمية النظر إلى ما هو قادم، وألّا ينحصر التفكير في متطلبات الحاضر وحده بل في الحكمة للاستعداد للغد وصناعة المستقبل والتي تقوم عليها فلسفة التخطيط.

في لغة الإدارة، التخطيط الاستراتيجي ليس حلاً عبقرياً للنجاح في المستقبل، لكن في مواجهة المجهول، حيث يحدد التخطيط المكانة المحددة التي تريد أن تصبح فيها، والطريقة التي تنوي من خلالها أن تسير إلى هذه المكانة. ومن هذا الاساس، لا يعود تخطيط القوى العاملة مجرد تقدير عدد الموظفين، وإنما يصبح عملية استشرافية تربط قرارات اليوم بما ستحتاج إليه المنظمة غدًا من أدوار ومهارات وقدرات.

وخلال السنوات الأخيرة شهد القطاع التعليمي تطوراً كبيراً في بنيته التنظيمية، وتوسعاً في خدماته، وتسارعاً في برامج التحول. إلا أن هذا التسارع كشف في الوقت نفسه أن إدارة القوى العاملة لم تعد قضية توظيف أو إدارة موارد بشرية، بل أصبحت قضية استراتيجية تمس جودة التعليم، وكفاءة الإنفاق، وتجربة المستفيد، وقدرة المنظومة التعليمية على الاستمرار والتكيف.

هندسة التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة

——————————————–

هندسة القوى العاملة في سياق التخطيط هو النظر إلى القوى العاملة باعتبارها منظومة متكاملة تحتاج إلى تصميم وهندسة استراتيجية تختبر القدرة على الاستجابة للتغير ، فمثلًا، إذا كانت جهة ما تتجه إلى التحول الرقمي، فالهندسة لا تعني فقط زيادة عدد الموظفين في الادارة بل تبدأ بتحديد الأدوار المستقبلية المطلوبة، ثم المهارات اللازمة لكل دور، وتحليل ما هو متوافر حاليًا، وتحديد فجوات المهارات، ثم الاختيار بين التوظيف أو إعادة التأهيل أو إعادة توزيع الموظفين بحيث يصبح كل عنصر يؤثر في الآخر فالوظائف ترتبط بالمهارات، والمهارات ترتبط بالعمليات، والعمليات ترتبط بالاستراتيجية، وكل ذلك يرتبط بالتكلفة والإنتاجية والنتائج.

من رقم في الميزانية إلى قدرة بشرية استراتيجية

—————————————————–

يُعدّ معدل القوى العاملة من أهم مقاييس تخطيط القوى العاملة، لذا يظل عدد الموظفين عنصرًا أساسيًا فيه، إلى جانب التكلفة، فهما يساعدان على فهم حجم القوى العاملة، وضبط الإنفاق، ومواءمة الاحتياج مع الميزانية. ويأتي تحليل عبء العمل ليضيف بعدًا أكثر دقة؛ إذ يربط عدد الموظفين بحجم الأعمال الفعلي والوقت والجهد اللازم لإنجازها، بما يساعد على تحديد الاحتياج بصورة واقعية، والكشف عن حالات العجز أو الفائض، وتحسين توزيع الموارد. ومع ذلك، تظل الأرقام جزءًا من الصورة وليست الصورة كاملة. فعندما يُنظر إلى القوى العاملة باعتبارها بند تكلفة، ينحصر التفكير غالبًا في عدد الوظائف، والرواتب، والشواغر، وما يمكن زيادته أو خفضه. أما عندما يُنظر إليها باعتبارها قدرة استراتيجية تستطيع الاستفادة من القدرات الموجودة داخل المنظمة. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التخطيط العددي والمالي، بل وضعه في سياقه الصحيح فالأعداد وتحليل عبء العمل يجيبان عن سؤال كم لدينا وكم نحتاج؟، بينما يضيف التخطيط الاستراتيجي سؤالًا أكثر عمقًا هل ما نملكه من قدرات يتوافق مع ما تحتاجه الاستراتيجية؟ وحين يجمع التخطيط بين الكم العددي والمالي، فهم عبء العمل، وكيفية استشراف المهارات والقدرات المستقبلية ينتقل الموظف من كونه رقمًا في الميزانية إلى قدرة بشرية قابلة للتطوير والاستثمار.

هل حسبنا الرؤوس ونسينا العقول؟

————————————

من التخطيط للأعداد إلى التخطيط للقدرات قد تكون الوظائف مكتملة، وعدد الموظفين مطابقًا للخطة، ونسب التوظيف ضمن المستهدف، ومع ذلك تظل المنظمة غير مهيأة لتنفيذ استراتيجيتها. فالاكتمال العددي لا يعني بالضرورة اكتمال القدرة. قد تمتلك المنظمة العدد المطلوب من الموظفين، لكنها تفتقر إلى المهارات الرقمية، أو القيادات القادرة على إدارة التحول، أو الخبرات التخصصية اللازمة لمبادراتها المستقبلية. وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الضعف في التخطيط نحسب الرؤوس، لكننا لا نقيس دائمًا ما بداخلها من معرفة ومهارات وخبرات وقدرات.

لذلك يجب أن يبدأ التحليل من استراتيجية المنظمة واتجاهها المستقبلي، ثم تحديد الأعمال والقدرات اللازمة لتنفيذها، ومقارنتها بما هو متاح حاليًا. ومن هذه المقارنة تظهر الفجوة الحقيقية ليست فقط فجوة في الأعداد، وإنما قد تكون فجوة في المهارة، أو الخبرة، أو الجاهزية، أو التوزيع، أو القيادة.

هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية هل لدينا الأشخاص المناسبون بالقدرات المناسبة للمرحلة القادمة؟

من فجوة العرض والطلب إلى تحديد الأولويات

——————————————————–

لا ينتهي تخطيط القوى العاملة عند اكتشاف الفجوة بين ما هو متاح وما هو مطلوب؛ فليست جميع الفجوات متساوية في أهميتها، كما أن الموارد والوقت لا يسمحان بمعالجة كل شيء بالدرجة نفسها.

لذلك تأتي الخطوة الأهم ترتيب الفجوات بحسب أثرها الاستراتيجي. فبعض الأدوار والقدرات ترتبط مباشرة باستمرارية الأعمال، وبعضها ضروري لتنفيذ مبادرات استراتيجية، وبعضها يمثل خبرة يصعب تعويضها أو الحصول عليها في سوق العمل. ولهذا يجب إعطاء الأولوية للفجوات التي يمكن أن يؤدي استمرارها إلى تعطيل أهداف المنظمة أو تأخير تحولها.

الرؤية المستقبلية

———————

إن المملكة تمتلك اليوم فرصة كبيرة لبناء منظومة قوى عاملة تعليمية أكثر مرونة واستدامة، مستفيدة من مستهدفات رؤية المملكة 2030، ومن التحولات التنظيمية والتشريعية التي يشهدها قطاع التعليم، ومن التطور المتسارع في البيانات والتقنيات والذكاء الاصطناعي. إلا أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب الانتقال من إدارة الموارد البشرية بوصفها وظيفة تشغيلية إلى هندسة القوى العاملة استراتيجيًا؛ أي من معالجة الشاغر إلى تصميم القدرة، ومن التركيز على عدد الوظائف إلى بناء القدرات والمهارات التي تحتاجها المنظومة، ومن النظر إلى الموظف باعتباره تكلفة تشغيلية إلى النظر إليه بوصفه رأس مال بشريًا وطنيًا يصنع قيمة تعليمية وتنموية واقتصادية.

وفي النهاية، قد لا يكون أهم ما يميز الأنظمة التعليمية الرائدة عدد مدارسها أو حجم ميزانياتها أو أعداد العاملين فيها، بل قدرتها على توفير القوى العاملة المناسبة، بالمهارة المناسبة، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب. وعندما تتحقق هذه المعادلة، تصبح بقية عناصر التحول التعليمي أكثر قدرة على تحقيق أثرها من تطوير المناهج وتحسين جودة التدريس إلى توظيف التقنية ورفع نواتج التعلم. وعندها يغدو الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه جودة التعليم، واستدامة التحول، وقدرة المنظومة على صناعة مستقبلها.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬