أطياف أدبية

عرشٌ في أحشاء الكهف

بقلم الكاتبه: زينب على درويش

بقلم الكاتبه: زينب على درويش

لا يملك القدرة على الصمت؛ مبهورٌ بماضيه، لا يرى إلا خطواته السابقة، وكأنه ملكٌ متوَّج، وكأنه أحيا هذا وأمات ذاك.

لكن الجميع فقدوا الشغف به؛ فقد البريق، ولم يبقَ من عرشه إلا ظله.

نصحه المقرّب بأن يشعل نارًا جديدة، ويغرس في أرضٍ معمورة، لكنه رفض بكل قوته. كان يرى الجديد جبلًا شاهقًا، لا يريد أن يتحمل مشقة صعوده، مفضّلًا الاستقرار على قمة الجبل القديم.

لم يكن يعلم أن باطن ذلك الجبل قد تحول إلى كهفٍ مظلم، لا يسكنه إلا صدى صوته ووطاويط الماضي.

خشي عليه المقرّب من ضبابية الرؤية، وحاول أن يدفعه نحو النور، لكنه ظل عالقًا في طريقٍ انتهى زمنه.

وفي صباحٍ استيقظ فيه على شكٍّ ثقيل، خالجه أنه قد سُرق.

كان يرى الجميع طامعين فيما يملك..لم يسأل، ولم يتثبت.

حطّم ما حوله، وصعد صوته نحو السماء كصرخةٍ شقّت سكون الليل. ثم استجمع قوته وعتاده القديم، وأتى برجالٍ ما زال يراهم صقورًا تحرس ملكه العظيم.

وأطلق سهام اتهامه من فمه القاسي في وجوهٍ بريئة.

حزن البعض، وضحك الآخرون؛ لا شماتةً فيه، بل دهشةً من حال رجلٍ كان يومًا يملأ المكان هيبةً، فأصبح يملؤه خوفًا.

كاد أن يفقد عقله… اقترب منه المقرّب، وهمس في أذنه:

«لا تخسر ما تبقى من هيبتك. لنعد من حيث أتينا؛ فكل ما تملك ما زال بخير.»

سكت.

للحظةٍ واحدة، شعر وكأن الأرض تهتز من تحت قدميه. ارتجف قلبه، وأوهمه ذلك الارتجاف بأنه عاد إلى رشده.

كاد أن يرى الحقيقة.

كاد أن يهبط من عرشه.

لكنه سرعان ما نكص على عقبيه…

وعاد من حيث أتى.

عاد إلى كهفه.

إلى عرشه القديم.

إلى ظلامٍ كان يظنه مجدًا.

وبقي الجبل شامخًا من الخارج…

أما في داخله، فكان العرش يزداد غرقًا في العتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬