جُحا… حين كان الضحك أذكى من الكلام

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
حين نسمع اسم جُحا، تسبق الابتسامة الحكاية، وكأن هذا الرجل القادم من عمق التراث لم يكن مجرد شخصية تروي النوادر، بل كان فيلسوفًا اختار أن يقول أخطر أفكاره بطريقة تجعل الناس يضحكون أولًا… ثم يفكرون طويلًا.
ونوادر جحا ليست حكايات طريفة انتهى زمنها؛ فالمدهش أنك تقرأ إحداها اليوم، فتشعر أن جحا ما زال يعيش بيننا، يراقب تصرفات البشر، ويبتسم من تناقضاتهم، ثم يضع أمامهم الحقيقة في موقف ساخر لا يحتاج إلى خطبة طويلة.
ومن أشهر نوادره أنه دُعي يومًا إلى وليمة، فذهب بثيابه البسيطة، فلم يهتم به أحد، ولم يجد من يرحب به كما ينبغي. عاد إلى بيته وارتدى ثيابًا فاخرة، ثم رجع إلى الوليمة، فإذا بالمكان يتغير من حوله؛ ترحيب وحفاوة، ومجلس في الصدارة، وطعام يقدم إليه قبل غيره.
فأخذ جحا شيئًا من الطعام ووضعه في كُمِّ ثوبه وهو يقول:
«كُلْ يا كُمّي!»
تعجب الحاضرون وقالوا: ما الذي تفعله يا جحا؟
فقال بمعنى لا يحتاج إلى كثير شرح: إن كان هذا التكريم قد جاء بسبب ثيابي، فالثياب أولى بالطعام مني!
ضحكوا… لكن جحا لم يكن يمزح فقط.
لقد اختصر في لحظة واحدة واحدةً من أقدم مشكلات البشر: أن نحكم على الإنسان من مظهره، ومنصبه، وماله، واسمه، قبل أن نسأل عن عقله وقيمته وأخلاقه. والغريب أن الزمن تغير، لكن «كُمَّ جحا» ما زال حاضرًا بأشكال مختلفة؛ فما زلنا أحيانًا نمنح المظاهر مقاعد لا يستحقها أصحابها، ونتجاهل أشخاصًا عظماء لأنهم لم يتقنوا فن الاستعراض.
وفي نادرة أخرى، خرج جحا مع ابنه وحمارهما. ركب جحا ومشى ابنه، فقال الناس: ما أقسى هذا الرجل! يركب ويترك الصغير يمشي.
فنزل جحا وأركب ابنه، فقال آخرون: يا لقلة الأدب! الصغير يركب والكبير يمشي.
فركبا معًا، فقيل: ألا يرحمان هذا الحمار المسكين؟
فنزلا ومشيا بجواره، فضحك الناس وقالوا: ما أغباهما! لديهما حمار ويمشيان على أقدامهما!
وهنا تصل النادرة إلى معناها الذي لا يشيخ:
من جعل رضا الناس بوصلته، ظل يغيّر طريقه حتى ينسى إلى أين كان ذاهبًا.
فمهما فعلت، سيجد أحدهم زاوية ينتقدك منها. إن تكلمت قالوا كثير الكلام، وإن صمتَّ قالوا متكبر. إن نجحت بحثوا عمن ساعدك، وإن تعثرت قالوا ألم نقل لكم؟ وإن كنت كريمًا وجد من يصفك بالمبذر، وإن كنت حريصًا وجد من يسميك بخيلًا.
وكأن جحا، قبل قرون، كان يخبرنا: عِش وفق ما تراه حقًا، لا وفق عدد المصَفِّقين حولك.
ولجحا حكاية أخرى لا تقل عبقرية؛ إذ رآه الناس يبحث ليلًا عن شيء تحت ضوء مصباح، فسألوه: ماذا فقدت؟
قال: مفتاحي.
فأخذوا يبحثون معه، ثم سأله أحدهم: وأين فقدته؟
قال: في البيت.
قال الرجل مستغربًا: ولماذا تبحث عنه هنا؟
فأجاب جحا: لأن الضوء هنا أفضل!
نضحك من الإجابة، ثم نكتشف أننا قد نفعل الشيء نفسه دون أن نشعر.
كم مرة بحثنا عن حلول مشكلاتنا في المكان الأسهل، لا في المكان الصحيح؟ وكم مرة ألقينا اللوم على الظروف والآخرين لأن مواجهة أنفسنا أكثر صعوبة؟ وكم إنسان يعرف موضع الخلل تمامًا، لكنه يفضّل البحث في مكان آخر؛ لأن الحقيقة في الداخل مظلمة، بينما الأعذار في الخارج مضاءة جيدًا؟
وهنا تكمن عبقرية نوادر جحا.
إنها لا تقول لك: «أنت مخطئ» مباشرة، بل تجعلك تضحك من جحا، ثم تكتشف فجأة أنك ربما كنت تضحك من شيء تفعله أنت أيضًا.
جحا لم يكن أحمق كما تصوره بعض الحكايات، بل كانت حماقته الظاهرة أحيانًا قناعًا لذكاء شديد. كان يسمح للآخرين أن يضحكوا، بينما يترك السؤال الحقيقي يسير خلفهم إلى بيوتهم.
ولعل هذا هو السبب في بقاء نوادره كل هذه القرون؛ لأن الأشخاص تغيروا، والبيوت تغيرت، ووسائل التواصل تغيرت، لكن الطبيعة البشرية بقي فيها الكثير مما عرفه جحا: حب الظهور، والخوف من كلام الناس، والانخداع بالمظاهر، والهروب من مواجهة الحقيقة، والتسرع في الحكم على الآخرين.
ولو عاش جحا بيننا اليوم، ربما لم يحتج إلى حماره ولا إلى سوق القرية؛ يكفيه هاتف ذكي وحساب في وسائل التواصل، وسيجد من النوادر ما يكفي لكتب كاملة!
سيجد من يصنع حياته لإرضاء أشخاص لا يعرفهم، ومن يقيس قيمته بعدد الإعجابات، ومن ينصح الناس بما لا يفعله، ومن يعرض سعادته أمام الجميع بينما يبحث عنها في داخله، ومن يصدق المظهر قبل الجوهر… وربما ابتسم جحا وقال: تغيرت الأدوات كثيرًا… أما الإنسان، فما زال يحتاج إلى نادرة توقظه.
ولهذا لم تكن نوادر جحا مجرد ضحكات عابرة، بل كانت مرايا صغيرة نضحك أمامها قبل أن ننتبه إلى صورتنا فيها.
فبعض الحكم تحتاج إلى كتاب، وبعضها يحتاج إلى عمر كامل حتى نفهمه…
أما جحا، فكان يكفيه حمار، وموقف طريف، وجملة واحدة؛ ليقول ما تعجز عنه صفحات طويلة.
وهذه أجمل فلسفة في نوادره: أن الحكمة لا يشترط أن تكون عابسة، وأن الحقيقة حين ترتدي ثوب الفكاهة قد تصل إلى القلب أسرع من ألف موعظة.



