غادر ما يُتعب روحك

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
ليست كل مغادرة خسارة، وليست كل استمرارية وفاء. أحيانًا يكون البقاء هو الخسارة الحقيقية؛ حين تبقى في مكان يطفئك، أو علاقة تستنزفك، أو حديث يجعلك في كل مرة تدافع عن قيمتك وكأنك متهم بأنك لا تستحق الحب والاحترام.
نحن لا نتعب دائمًا من كثرة المسؤوليات، بقدر ما نتعب من الأشياء التي نحملها رغم أنها لم تعد تشبهنا. نتعب من الانتظار الطويل، من الأعذار التي نصنعها للآخرين، من المحاولات التي لا يقابلها إلا البرود، ومن أبواب نقف أمامها طويلًا بينما أصحابها لا يفكرون حتى في فتحها لنا.
وهنا تأتي لحظة لا بد أن يسأل فيها الإنسان نفسه: إلى متى سأبقى في مكان لا يرغب بي؟ وإلى متى سأشرح قيمتي لمن اختار ألا يراها؟
غادر الأماكن التي لا ترغب بك، حتى لو كانت عزيزة. فالعِزّة لا تكون في المكان وحده، بل في الطريقة التي يعاملك بها أهله. وما فائدة مكان تحبه إذا كان كل ما فيه يشعرك أنك زائد عن الحاجة؟ وما قيمة علاقة تمنحها قلبك كاملًا ثم تعود منها كل ليلة ناقصًا؟
هناك فرق كبير بين أن نصبر على من نحب، وبين أن نسمح له بأن يستهين بنا. الصبر يحفظ العلاقات، أما التنازل المستمر عن الكرامة فيقتلها ببطء. ومن استهان بوجودك لا تكافئه بالمزيد من البقاء، فبعض الناس لا يفهمون قيمة الأشياء إلا بعد أن يفقدوها، ولا ينتبهون إلى دفء حضورك إلا حين يصبح المكان باردًا من دونك.
لا تعاتب كثيرًا. فالعتاب حين يتكرر يفقد معناه، ويحوّل القلب إلى شخص يقف على باب الآخر يتوسل قليلًا من الاهتمام. قل ما يؤلمك مرة، ووضّح ما تحتاجه بصدق، فإن بقي التجاهل كما هو، فاجعل غيابك هو بقية الحديث.
ومغادرة ما يتعبنا لا تعني فقط مغادرة الأشخاص. أحيانًا علينا أن نغادر فكرة قديمة أرهقتنا، أو ذكرى نستنزف عمرنا في إحيائها، أو شعورًا بالذنب على أمر انتهى، أو محاولة لإرضاء الجميع، أو عادة جعلتنا نضع أنفسنا في آخر قائمة الاهتمام.
غادر كل ما يجعلك تعود إلى نفسك منهكًا.
غادر المقارنات التي تجعلك تحتقر ما لديك.
غادر العلاقات التي لا تعرف منك إلا وقت حاجتها.
غادر النقاشات التي تنتهي دائمًا بجرحك.
غادر الدور الذي يفرض عليك أن تبدو قويًا بينما أنت تنهار في الداخل.
وغادر فكرة أنك مطالب بالبقاء لأنك بدأت.
فليس كل ما بدأناه يجب أن نكمله، وليس كل من أحببناه يجب أن يبقى معنا إلى النهاية. بعض الأشياء خُلقت لتكون درسًا، وبعض الأشخاص كانوا مرحلة، وبعض الأبواب أُغلقت رحمة بنا وإن بكينا طويلًا أمامها.
وأجمل ما في المغادرة الواعية أنك لا ترحل منتقمًا، بل متصالحًا. لا تحتاج أن تؤذي من آذاك، ولا أن تثبت له أنك تستطيع العيش من دونه. يكفي أن تعرف أنت أن سلامك النفسي أهم من معركة لا نهاية لها.
من يرحب بك بالتجاهل، أكرمه بالرحيل. ومن جعلك دائمًا تشك في قيمتك، لا تمنحه المزيد من عمرك ليقنعك بأنك أقل مما أنت عليه. فالأماكن التي تناسبنا لا تجعلنا نتساءل كل يوم إن كنا مرغوبين فيها، والقلوب الصادقة لا تجعلنا نتسول منها الاطمئنان.
قد يكون الرحيل مؤلمًا في البداية، لكنه أحيانًا الألم الوحيد الذي يضع نهاية لآلام كثيرة.
فلا تخف من مغادرة ما يتعبك؛ أخطر من الرحيل أن تبقى طويلًا في مكانٍ يجعلك تغادر نفسك.



