توجيهاتٍ شرعيةٍ للإمام والخطيب والمؤذن

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد ، وعلى آله ، وصَحْبه أجمعين ، وبعد:
معاشر القراء الكرام : كم للإمام والخطيب والمؤذن في شريعة الإسلام من فضلٍ ومنزلة منها ما جاء في قول الله تعالى : – وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما – الفرقان : 74 – وقال تعالى : – وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ – السجدة 24 وقال صلى الله عليه وسلم : – الإمام ضامن ، فإن أحسن فله ولهم ، وإن أساء فعليه ؛ ولا عليهم – رواه ابن ماجه في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2786 ، وقال صلى الله عليه وسلم : – الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن ؛ اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2787 وقال صلى الله عليه وسلم : – فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم } متفقٌ عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة – رواه مسلمٌ في صحيحه .
إليكم معاشر الأئمة ، والخطباء ، والمؤذنين بعض التوجيهات المهمة ، وأنتم تؤدون هذه الأعمال الصالحة ، وفي أطهر مكانٍ على وجه الأرض ، وهي بيوت الله التي قال الله فيها : – فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ – :
أولاً : أنتم أيها المؤذنون والأئمة ، والخطباء من خيار المجتمع ؛ وأحسنه ، نحسبكم كذلك والله وحسيبكم ؛ فقد اختاركم الله للنداء للصلاة المكتوبة في بيوت الله ، لإقامتها جماعة مع المسلمين فيها ، طاعةً لله ، وقياما بواجب المسؤولية التي كلفتم بها ، فأذانكم ، وصلاتكم ، ودعوتكم للمصلين إلى كل خير وفضيلة ؛ لهو من أحسن الأعمال والأقوال ؛ كيف وقد قال الله تعالى : – وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ – فصلت : 32 وقال رسول صلى الله عليه وسلم : { مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا – رواه مسلمٌ في صحيحه .
ثانياً : أن يخلص كل من المؤذن ، والإمام ، والخطيب لله تبارك وتعالى وهم يؤدون هذه الشعائر التعبدية من أذانٍ ، وصلاةٍ ، وخطابة فبإخلاصكم لله فيها تثابون أحسن الثواب ، من ربٍّ كريم واسع الفضل والإحسان ؛ قال الله تعالى : – وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ – البينة : 5 وقال تعالى : – بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ – الزمر : 66 وقال صلى الله عليه وسلم ؛ قال الله تعالى : – قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ – رواه مسلمٌ في صحيحه .
ثالثاً : أن يحرص المؤذن ، والإمام ، والخطيب على الفقه في دين الله ، عقيدةً ، وشريعةً ، ومعاملةً ، وأخلاقاً ، وسلوكاً على أيدي علماء الدعوة السلفية ، وسؤال العلماء عما أشكل عليهم من دينهم ؛ وأن يحرصوا على العمل بما تعلموه من دين الله يبغون بذلك وجه الله ، وأن يحرصوا على تعليمه لمن لا يعلمه من المصلين ، وغيرهم من عباد الله ؛ قال الله تعالى : – وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ – البقرة : 269 ) وقال تعالى : – وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ – آل عمران : 79 وقال صلى الله عليه وسلم : { مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } متفقٌ عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ – رواه مسلمٌ في صحيحه .
رابعاً : أن يحرص كلٌّ من المؤذن ، والإمام ، والخطيب على أداء أعمالهم التي كلفوا بها على أتم وجه ، وألا يتخلفوا عنها إلا بعذرٍ شرعي ، وأن يقوموا بتنفيذ التوجيهات الصادرة لهم من وزارة الشؤون الإسلامية ؛ أو ذات الاختصاص في الدولة ؛ لما يعود نفعه عليهم ، وعلى المصلين في مساجدهم ، وألا يخالفوا ما أمروا به من ولاة أمرهم ؛ لانَّ الله تعالى يقول : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا – المائدة : 59 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي – متفق عليه ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ – رواه البخاري ومسلم .
خامساً : أن يحصل بين المؤذن ، و الإمام ، وخطيب الجامع ؛ التعاون على البر والتقوى فيما بينهم ، وأن يسعوا بكل طريقٍ لإصلاح ما يلزم إصلاحه في مسجدهم ومجتمعهم ، وما لا يستطيعوا إصلاحه أن يرفعوا ذلك إلى الجهات المختصة في الدولة ، وأن يسعوا المصلين بأخلاقهم ، وحسن تعاملهم معهم ، ليكونوا خيرُ معينٍ للناس لأداء صلاتهم ، وشعائرهم التعبدية من صلاةٍ ، وقراءة قرآن ، ودعاءٍ ، وذكرٍ ، وغير ذلك ؛ كيف وقد قال الله تعالى : – وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ – المائدة : 2 وقال تعالى : – إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ – التوبة : 18 وقال صلى الله عليه وسلم : – بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا – رواه مسلمٌ في صحيحه .
سادساً : أن يكون كلّ من المؤذن ، والإمام ، والخطيب ؛ قدواتٍ صالحة لغيرهم من المصلين ؛ وذلك بحسن أخلاقهم ، وطيب أفعالهم ، وحسن تصرفاتهم ، فالناس ينظرون إليهم بعين الاحترام والتقدير ؛ ويرونهم محلاًّ للاقتداء والمتابعة ؛ وأن يسألوا ربهم أن يكونوا عند حسن الظن ؛ والتوفيق والإعانة لما يحبه الله ويرضاه ، قال الله تعالى : – وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما – الفرقان : 74 وقال تعالى : – وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ – .
سابعاً وأخيرا: أن يحرص جميع المسلمين ؛ وخاصةً إمام المسجد وخطيبه على كثرة الدعاء لولاة الأمر بالتوفيق والصلاح ؛ فهذه من علامة أهل السنة ، والدعاء عليهم من علامة أهل البدعة ؛ كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله : – لو كانت لي دعوةٌ مستجابة لصرفتها للحاكم ؛ لأنَّ بصلاحه يصلح العباد والبلاد – .
والله نسأل السداد والتوفيق والإعانة لما فيه صلاح ديننا ودنيانا ، اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر ، والعزيمة على الرشد ، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثمٌ ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار ؛ ولوالدينا ووالديهم ، وجميع الأهل والأحباب إنَّ ربنا حليمٌ تواب . اللهم آمين .




