الأخبار السياحية

جُرش الأثرية”.. دهشة الدخول إلى عمق مدينة تروي حضارة جنوب المملكة العربية السعودية

متابعة: ابتسام حكمى

متابعة: ابتسام حكمى

في اللحظة التي يعبر فيها الزائر أو السائح بوابة مركز الزوار في موقع “جرش الأثري” بمحافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير، تتشكل أمامه لحظة دهشة خاصة؛ فالممرات الهادئة واللوحات التعريفية والعروض البصرية تقوده إلى رحلة تبدأ من الحاضر، لكنها تنفتح سريعًا على طبقات تاريخية عميقة تحكي سيرة مدينة كانت يومًا محطةً للتجارة والحج والتواصل الحضاري في جنوب الجزيرة العربية.

ويستقبل مركز الزوار ضيوفه عبر مرشدين ومرشدات ثقافيين مؤهلين، يرافقون الزائر منذ اللحظة الأولى في تجربة ثقافية صُممت لتكون ثرية ومشوقة، حيث تتنوع وسائل العرض بين لوحات الجرافيكس، والأفلام التلفزيونية، والمجسمات، والقطع والمقتنيات الأثرية، إضافة إلى المعلومات التي يقدمها المرشدون للإجابة عن تساؤلات الزوار وتعزيز فهمهم للموقع.

ويمضي الزائر في المركز عبر ست محطات تعريفية متتابعة، تبدأ بالتعريف بمحافظة أحد رفيدة وجغرافيتها، ثم بتاريخ موقع جرش الأثري الذي يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد, وتبرز هذه المحطة أن جرش كانت مدينة ذات أهمية كبيرة استمرت خلال العصور الإسلامية الأولى.

وتنتقل المحطات إلى تقديم فيلم تلفزيوني قصير يعرف بالموقع الأثري ومدينة جرش القديمة، مستعرضًا تاريخها وحضارتها وأهم مكوناتها ومكتشفاتها الأثرية.

ويوضح عرض مرئي آخر الأهمية الحضارية لمدينة جرش، التي اتخذت موقعًا مميزًا على طريق البخور وطريق التجارة القديم الممتد من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها، مما جعلها نقطة تواصل بين السكان المحليين والقوافل العابرة.

وفي محطة اللقى الأثرية، يطالع الزائر مجموعة من المكتشفات التي عُثر عليها في الموقع، وتشمل المعادن والزجاج والفخار والمصنوعات الحجرية، حيث تُعرض بعض هذه القطع في حافظات زجاجية تتيح للزائر معاينتها عن قرب.

وتشير المعلومات المعروضة إلى أن سكان جرش استفادوا من وفرة الصخور في بيئتهم، فاعتمدوها مادة رئيسة في بناء مدينتهم، كما استخدموها في صناعة الرحى والأواني والسرج والأدوات المنزلية.

وكشفت التنقيبات عن أدوات زجاجية بألوان متعددة، وعن تطور ملحوظ في الصناعات المعدنية، تتمثل في العملات، والحلي، والمسامير، والأواني المعدنية.

وتحمل محطة “المكتشفات الأثرية في جرش” الزائر في جولة بانورامية بتقنية 360 درجة، تعرض أبرز المكتشفات في الموقع، ومنها الحصن، والمنشآت المائية، والمسجدان، والرسومات الصخرية، والكتابات القديمة.

وأظهرت أعمال التنقيب المتواصلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، عن أساسات مسجدين يعودان إلى فترة إسلامية مبكرة، بُنيا فوق أساسات حصن يعود إلى ما قبل الإسلام.

وكُشف خلال الموسم الخامس عشر للتنقيب عام 2023م عن بئر مائية قديمة مبنية من الحجارة والطين، تتصل بها قنوات حجرية كانت تستخدم لتوزيع المياه على الوحدات السكنية المجاورة، في دلالة على تطور أنظمة إدارة المياه في المدينة.

وفي شهر أبريل المنصرم اختتمت هيئة التراث أعمال الموسم السابع عشر من مشروع التنقيب في موقع جرش الأثري، وأسفرت أعمال التنقيب خلال هذا الموسم –حسب بيان الهيئة- عن اكتشاف وحدات سكنية تعود إلى فترتين زمنيتين مختلفتين، شيدت جدرانها باستخدام الحجارة الكبيرة المهذبة ومونة الطين، وتمثل امتدادًا لما تم الكشف عنه في المواسم السابقة، وتحديدًا في الجهة الشرقية من المسجد المكتشف سابقًا في الموقع، وتضمنت هذه الوحدات غرفًا تحتوي على عناصر معمارية دقيقة، شملت مستودعات صغيرة لتخزين الحبوب، وأفران فخارية للطبخ، إلى جانب أحواض ودعامات تعكس أسلوب البناء المحلي السائد في تلك الحقبة.

ووثقت الهيئة من خلال أعمال الموسم شاهدًا حجريًا نقش على وجهيه نصان بالخط الكوفي، يعود أحدهما إلى يوم الخميس السابع عشر من شهر رمضان لعام 311 للهجرة، ما يمثل إضافة علمية مهمة للدلالات التاريخية المرتبطة بالموقع.

وشملت المكتشفات الأثرية عددًا من الأدوات الحجرية، تمثلت في أجزاء من مدقّات، ومساحن، ومجموعة من الرحى بأحجام وأشكال متعددة، إضافة إلى أجزاء من أوانٍ مصنوعة من الفخار العادي والمزجج، وأخرى زجاجية، إلى جانب أوانٍ منحوتة من الأحجار الصابونية.

ولا تتوقف رحلة زائر “جُرش” عند حدود الشواهد الأثرية، بل تمتد إلى التعريف بالتراث العمراني في منطقة عسير، من خلال فيلم قصير يستعرض الفرق بين العمارة الجبلية والعمارة الطينية، ويقدم نماذج من القرى التراثية في المنطقة، إلى جانب إبراز تميز القط العسيري بوصفه أحد عناصر التراث غير المادي المسجل في قائمة اليونسكو.

وفي ختام الزيارة، يطلع الزائر على الحرف اليدوية التي اشتهرت بها جرش ومنطقة عسير، ومنها المشغولات الجلدية التي عُرفت باسم “أديم جرشي”، والصناعات المعدنية التي برزت في صناعة الأسلحة والأواني والحلي والمجوهرات، إضافة إلى الصناعات الفخارية التي اعتمد عليها الأهالي في حياتهم اليومية.

وتمثل جرش الأثرية بقايا مخلاف وحضارات متعاقبة في جنوب الجزيرة العربية، وقد سادت لقرون طويلة قبل أن تندثر، تاركةً شواهد تدل على تحولات تاريخية متلاحقة، وتبرز بوصفها مدينة حضارية وزراعية وصناعية ذات حرفية متميزة، عُرفت بالقوة والحصانة.

وتتوسط أطلال جرش اليوم محافظة أحد رفيدة شرق أبها بنحو 30 كيلومترًا، ويحيط بها جبلان هما جبل “حمومة” في الجهة الشرقية، وجبل “شَكَر” في الجهة الغربية.

ويبرز في الموقع نقش صخري منفذ بالحفر البارز لأسد ينقض على ثور، كُتب تحته بالخط المسند عبارة “ثورن نعمن وأسدن ملقا”، ويعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي، ويعد من الشواهد الدالة على القوة والحصانة في تلك الفترة.

وعُرفت جرش أيضًا بصناعاتها المتنوعة، إذ احتضنت مصانع للدباغة والفخار والصناعات الحربية، ومنها المنجنيق والعرادات، وهو ما وثقته المصادر التاريخية التي أفردت صفحات للحديث عن موقع جرش وأعمال سكانها.

ويقدم مركز زوار جرش محتواه كاملًا باللغتين العربية والإنجليزية، مع توفير خدمات مساندة للزوار، من بينها المظلات والكراسي المتحركة، بما يسهم في تحسين تجربة الزيارة وجعلها أكثر شمولًا.

وبهذا التكامل بين الموقع الأثري ومركز الزوار، تتحول جرش إلى وجهة ثقافية وسياحية واعدة في منطقة عسير، حيث يلتقي الزائر مع قصة حضارة عريقة لا تزال شواهدها حاضرة في أطلال المدينة ولقى مركزها، لتؤكد أن جرش لم تكن مجرد محطة على طريق قديم، بل كانت مركزًا حضاريًا ترك أثره في تاريخ جنوب الجزيرة العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬