مقالات

الانسحاب…التدريجي في العلاقات

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

في كل مرة نبدأ علاقة جديدة، نقنع أنفسنا أنها مختلفة. نقول: “هذه المرة لن تتكرر الحكاية.” ونمنح قلوبنا الإذن لتثق من جديد، رغم أنها ما زالت تحمل آثار الخيبات القديمة. نستقبل شخصًا جديدًا في حياتنا، لا باعتباره عابرًا، بل كأنه القدر الذي تأخر كثيرًا حتى يصل إلينا.

لا يبدأ الأمر بحبٍ كبير…

بل يبدأ بتفصيلة صغيرة.

رسالة في الصباح.

سؤال عابر: “كيف يومك؟”

دعوة للحديث.

اهتمام لا نطلبه.

فنبتسم… دون أن ندري أن تلك الابتسامة ستكون بداية حكاية كاملة.

شيئًا فشيئًا يصبح هذا الإنسان حاضرًا في كل تفاصيلنا. نحدثه عن الأشياء التي لا نقولها لأحد، ونشاركه ما نخجل من البوح به، ويصبح أول من نخبره بالخبر السعيد، وأول من نهرب إليه عندما تضيق بنا الدنيا. يعتاد القلب وجوده حتى يظن أنه كان جزءًا من حياته منذ البداية، مع أنه قبل أشهر لم يكن يعرف حتى اسمه.

العجيب في الإنسان أنه لا يتعلق بمن يكثر الكلام، بل بمن يمنحه شعورًا بالأمان. فالأمان هو أكثر ما يجذب القلوب، وأكثر ما يجعلها تتخلى عن حذرها. وما إن تشعر أن هناك من يفهمك دون شرح، ويطمئن عليك دون طلب، حتى تبدأ بإزالة الحواجز واحدًا تلو الآخر، حتى تقف أمامه بقلبك كاملًا، دون أن تدرك أنك أصبحت مكشوفًا أمام احتمال الخذلان.

ثم تأتي تلك المرحلة الجميلة… مرحلة الوعود.

كم هي جميلة تلك الوعود عندما تُقال، وكم هي قاسية عندما لا تجد من يفي بها.

“لن أتركك.”

“أنا معك مهما حدث.”

“لن تغيرنا الأيام.”

نسمعها فنطمئن، لا لأن الكلمات قوية، بل لأننا نُسقط عليها صدقنا نحن. فالإنسان الصادق يظن أن الجميع يحب بالطريقة نفسها، ويعد بالطريقة نفسها، ويفي بالطريقة نفسها.

لكن الأيام لا تختبر جمال البدايات…

الأيام تختبر قوة البقاء.

وهنا تبدأ العلاقات في كشف حقيقتها.

ليس عندما يكون كل شيء جميلًا…

بل عندما تصبح الظروف صعبة.

عندما تقل اللقاءات.

عندما يزدحم الوقت.

عندما تصبح المسافات أطول.

عندما يحتاج الحب إلى صبر، لا إلى عبارات جميلة.

هناك فقط نعرف من كان يحبنا، ومن كان يحب شعوره معنا.

فبعض الناس، ما دام كل شيء سهلًا، يبدون أوفياء، فإذا اعترضت الطريق أول عقبة، بدأوا في البحث عن طريقٍ آخر، وعن وجهٍ آخر، وعن قلبٍ آخر يمنحهم الإحساس نفسه.

وهنا يبدأ الموت البطيء للعلاقة.

لا تسمع صوت انكسارها…

لكنك تشعر به.

تنتظر الرسالة التي كانت تأتي كل صباح، فلا تأتي.

تكتب، فيأتي الرد بعد ساعات.

ثم يصبح الرد بعد يوم.

ثم يصبح الرد كلمة واحدة.

ثم يتحول اهتمام الأمس إلى مجاملة اليوم.

وتقف حائرًا…

تحاول أن تقنع نفسك أن الظروف هي السبب، وأنه متعب، وأنه مشغول، وأن الغد سيعيد كل شيء كما كان.

لكن الغد يأتي…ولا يعود شيء.

ثم تكتشف أنك أصبحت الشخص الوحيد الذي يقاتل من أجل بقاء العلاقة.

أنت من يبدأ الحديث.

وأنت من يسأل.

وأنت من يعتذر.

وأنت من يبرر.

وأنت من يخاف أن يخسر.

بينما الطرف الآخر أصبح يعيش حياته وكأن غيابك لا ينقص منها شيئًا.

وهنا يبدأ أصعب أنواع الألم…

أن ترى شخصًا كان يومًا لا يهدأ إلا بك، ثم يصبح قادرًا على أن يعيش أيامه كلها دون أن يتذكرك.

ليس لأنك لم تعد جيدًا…

بل لأنه اعتاد وجودك، ثم اعتاد غيابك أيضًا.

ثم تأتي الضربة التي لا يراها أحد.

تراه يبتسم مع شخصٍ آخر.

يكرر الاهتمام نفسه.

ويحكي الحكايات نفسها.

ويصنع الذكريات نفسها.

فتكتشف أن المكان الذي كنت تظنه لا يتسع إلا لك، اتسع لغيرك بسهولة.

ليس لأنك لا تستحق…

بل لأن بعض الناس لا يتعلقون بالأشخاص، بل بالشعور الذي تمنحه لهم العلاقة، فإذا انتهى ذلك الشعور، بحثوا عنه في مكان آخر.

أما أنت…فتبقى وفيًا.

ليس لأنك لا تستطيع أن تبدأ من جديد، بل لأن قلبك لا يعرف أن ينسى بهذه السرعة.

تبقى وفيًا للضحكات، وللمواقف، وللكلمات، وللعهود التي ما زلت تحفظها عن ظهر قلب، بينما أصحابها نسوها منذ زمن.

وهنا يخطئ الناس في فهمك.

يقولون إنك تعيش في الماضي.

والحقيقة أنك لا تعيش في الماضي…

بل تعيش مع قلبٍ لا يعرف الخيانة، حتى مع الذكريات.

فالوفي لا يستبدل الأشخاص كما تُستبدل الهواتف.

ولا يمحو سنواتٍ من عمره بجملة: “انتهى الأمر.”

بل يحتاج وقتًا طويلًا حتى يدفن ما عاشه باحترام.

ثم يأتي الشوق…

ذلك الضيف الذي يعرف متى يزورنا.

لا يأتي ونحن سعداء.

بل يأتي عندما تنهزم أرواحنا أمام الحياة، فنبحث عن آخر مكان شعرنا فيه بالأمان.

فنفتح المحادثات القديمة.

ونقرأ الكلمات نفسها عشرات المرات.

ونتوقف عند الصور.

ونتساءل: كيف يمكن لإنسانٍ كان يومًا أقرب الناس إلينا، أن يصبح اليوم غريبًا إلى هذا الحد؟

ثم نكاد نرسل رسالة…

لكننا نتراجع.

ليس لأن الشوق انتهى…

بل لأن الكرامة تعلمت أخيرًا أن الحب لا يُطلب ممن قرر الرحيل.

ومع مرور السنوات، نكتشف حقيقة لم يخبرنا بها أحد…

أن العلاقات لا تنتهي يوم يغادر أصحابها.

بل تنتهي يوم نموت نحن من الانتظار.

يوم نتوقف عن تبرير الغياب.

وعن اختراع الأعذار.

وعن إقناع أنفسنا أن الغد سيحمل ما فقدناه بالأمس.

يوم ندرك أن بعض الناس كانوا فصلًا جميلًا في حياتنا…

لكنهم لم يكونوا الرواية كلها.

وأن الوفاء لا يعني أن نبقى واقفين أمام بابٍ أُغلق، بل أن نغادره ونحن نحمل أخلاقنا، دون أن نفقد احترامنا لأنفسنا.

فليس أقسى ما في العلاقات أن يرحل من نحب… بل أن يبقى داخلنا كل ما وعدنا به، بينما يمضي هو إلى حياة أخرى، ويتركنا وحدنا نرتب أنقاض الأحلام التي بنيناها معًا، حجرًا… بعد حجر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬