طوبى ….لكن لمن؟

بقلم الكاتبه : رجاء الطويل
المجرم غريب عن القانون، وصاحب البدعة غريب عن السنة، والمنحرف غريب عن الفطرة.
وليست كل غربة فضيلة… وليس كل من سار وحده كان على حق، وليس كل من خالف الناس كان على صواب.
فلا يغرّك ازدحام الطريق، فقد تكون نهايته هاوية.
النفس البشرية تقرأ وتُحلِّل كما تحب وتتمنى، فالمرء إذا مرَّ بآية المنافقين انصرف ذهنه إلى غيره، وإذا قرأ صفات المتقين ابتسم راضيًا عن نفسه؛ كأن الآية نزلت لتصفه.
يقرأ القرآن، ويترك نفسه في صفوف المتفرجين على قصصه، بدلًا من أن يبحث عن مكانه بصدق في هذه القصص، ويتساءل: أين موقعي أنا من هذه القصة؟
هل أنا مع موسى؟
أم مع السحرة؟ ـ قبل أن يخروا ساجدين ـ
أم مع فرعون؟
أم مع الأغلبية التي تقف لتشاهد من يربح، فتأخذ صفَّه وتهتف له؟
«طوبى للغرباء» من الأحاديث التي أسأنا فهمها، فيكاد كل من يشعر أنه مختلف، ولا ينسجم مع محيطه، يظن أنه من الغرباء المعنيين بالحديث، والأجدر أن يسأل نفسه: عمَّ اغتربت؟
ولماذا أصبحت من الغرباء؟
حين يصبح للرأي العام سلطة وقوة أعلى من قوة الضمير، وحين يصبح السؤال: كم شخصًا يفعل هذا؟ أهمَّ من السؤال: هل هم على حق؟
عندها يبدأ المجتمع بإعادة تعريف الحق، وتتغير المفاهيم حول القيم.
فيصير الثابت شاذًّا، والمستقيم غريبًا.
ويتصالح الناس مع الباطل، ويألفون الخطأ.
وتتبدل المسميات… فتصبح الخيانة ذكاءً، والكذب مهارةً، والتنازل عن المبادئ مرونةً.
ومن رحم هذا التغيير يولد الغرباء.
ليس لأنهم خالفوا، بل لأنهم تمسكوا، وتشبثوا، وثبتوا على الحق.
ولأنهم رفضوا رأي الأغلبية، استهجنت الأغلبية أفعالهم.
لم يخرجوا عن المجتمع، بل المجتمع هو الذي خرج عن ميزان الحق.
الجميع يحب الفضيلة، ويتغنى بالشجاعة، ويتحلى بالصدق، حتى يُوضَعوا على المحك.
هل هم على استعداد لأن يخسروا من أجل الفضيلة؟
هل هم على استعداد لأن يتمسكوا بالصدق، وإن هدد مصالحهم؟
وهل شجاعتهم تكون فقط وهم في مأمن، وإذا دُعوا إليها ولَّوا هاربين؟
هنا ينصرف المتشدقون، ويبقى الصادقون.
يبقى الغرباء… إذًا، طوبى ليست مكافأةً لكل مختلف، والعزلة ليست ثناءً لكل منعزل، بل تحذير من الزمن الذي اختلطت فيه الموازين، عذرًا، أقصد: (اختلفت)، أو الأصح: (انتكست).
والتعريف الحقيقي للعزلة هو مخالفة الناس لأنهم خالفوا الحق، وتخلفوا عنه.
وطوبى هي ثمرة مجاهدة النفس قبل جهاد الناس.
وثبات القلب قبل ثبات الموقف.
فالغرباء هم الذين علم الله ثباتهم حين باع الآخرون مبادئهم.
فاستحقوا «طوبى».
وسؤالي الآن لك… نعم، أنت:
هل كنت يومًا ممن جعل الحق غريبًا؟
بقلمي
خارطة الطريق من الغواية إلى الهاوية.
بين المفهوم والمقصود، أين تختبئ الحقيقة؟
هل يستوون؟




