مقالات

أبو البنات… شايل على كتفه حسنات

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ليس كل مثلٍ شعبي يُقال لمجرد الترديد، فبعض الأمثال تختصر فلسفة حياة كاملة في كلمات قليلة. ومن أجملها ذلك المثل الذي يقول: “أبو البنات شايل على كتافه حسنات.”

ليست البنات عبئًا كما كان يظن أهل الجاهلية، بل هن أبواب رحمة، ومفاتيح بركة، وأسباب لرفعة الآباء في الدنيا والآخرة. فمن رزقه الله بابنة، فقد رزقه قلبًا آخر ينبض خارج صدره، وابتسامةً لا تشبهها ابتسامة، ورحمةً تتسلل إلى تفاصيل حياته دون أن يشعر.

الأب الذي يربي ابنته لا يربي طفلًا فحسب، بل يبني إنسانة، ويصنع أمًا ستنشئ أجيالًا، ويغرس في المجتمع خلقًا وقيمًا تمتد لعقود. وكل كلمة طيبة يقولها لها، وكل دمعة يمسحها عن وجهها، وكل خوف يبعده عنها، وكل تعليم يغرسه في قلبها… هو صدقة جارية لا يعلم مقدار أجرها إلا الله.

البنت لا تطلب الكثير من أبيها. قد يكفيها أن تشعر أنها أمانه، وأن هناك رجلًا في الدنيا لا يخذلها، ولا يكسر خاطرها، ولا يسمح للحياة أن تؤذيها ما دام قادرًا على حمايتها. هي لا تبحث عن القصور، بل عن كتفٍ إذا تعبت أسندها، وعن عينين تريان فيها أجمل خلق الله، وعن يدٍ تمسك يدها حتى تقوى على السير وحدها.

ولذلك كان الأب الذي يحتضن بناته، ويعدل بينهن، ويغرس فيهن الثقة والعفة والكرامة، يحمل حسناتٍ لا تُعد. ليس لأن لديه بنات فقط، بل لأنه أحسن إليهن. فكم من أبٍ كانت ابنته سببًا في دخوله الجنة، لأنها شهدت له بحسن التربية، وبرّته حيًا، ودعت له ميتًا، وأخرجت الصدقات عنه، وظل اسمه حاضرًا في كل سجدةٍ ترفع فيها يديها إلى السماء.

وليس أجمل من أبٍ يعود إلى منزله فتستقبله ضحكات بناته، فينسى عناء يومه كله. يراهن يكبرن أمام عينيه، فيدرك أن العمر يمضي، لكن أثره في قلوبهن سيبقى. فالبنت لا تنسى أبدًا كيف كان أبوها يعاملها، وستحمل تلك الذكريات معها إلى بيتها، وتورثها لأبنائها، فيستمر الخير من جيل إلى جيل.

وقد أخبرنا نبينا أن الإحسان إلى البنات سبب للنجاة، فقال: «من ابتُلِيَ من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كُنَّ له سترًا من النار.» وفي رواية: «من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجابًا من النار.» وهذا تكريم عظيم يجعل تربية البنات عبادة قبل أن تكون مسؤولية.

فيا أيها الأب… إذا رزقك الله بنتًا، فلا تقل: ماذا سأتحمل؟ بل قل: أي بابٍ من أبواب الرحمة فتحه الله لي؟ وإذا رزقك اثنتين أو ثلاثًا أو أكثر، فاعلم أن الله لم يزدك أعباءً، بل زادك فرصًا للحسنات، ومواسم للأجر، وأسبابًا للرحمة التي قد تكون سبب نجاتك يوم لا ينفع مال ولا بنون.

إن البنات لسن ضعفًا في البيت، بل قوته. ولسن حملًا على الأكتاف، بل نورًا في القلوب. هن زينة الحياة حين تُربى أرواحهن على الإيمان، وهن الدعاء الذي لا ينقطع، والحنان الذي لا يشيخ، والوفاء الذي يبقى حتى بعد رحيل الآباء.

ولهذا قيل: “أبو البنات شايل على كتافه حسنات.”

ولعل الحقيقة الأجمل أن تلك الحسنات ليست على كتفيه فقط، بل تملأ صحيفته، وتضيء طريقه، وتكون بإذن الله نورًا له يوم يلقى ربه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬