مقالات

من عجائب الحياة

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

يوجد في الحياة مفارقاتٌ مؤلمة، لا تُبكي العين فقط، بل تُوقظ القلب من غفلته، وتجعل الإنسان يقف مع نفسه متسائلًا: هل أصبحنا نعرف قيمة أحبابنا بعد أن نفقدهم فقط؟

من أعجب ما نراه اليوم أن بعض الناس يقطعون مئات الكيلومترات ليقفوا دقائق أمام جنازة قريب، يحملون نعشه، ويشيعونه إلى مثواه الأخير، وتغلبهم الدموع عند وداعه، ثم يعود كل واحد إلى حياته، مقتنعًا أنه أدى واجبه.

لكن السؤال الذي يطرق القلب قبل العقل…

أين كانوا حين كان ذلك القريب حيًّا؟

أين كانت تلك المسافات حين كان ينتظر زيارة تبهج قلبه؟ أو اتصالًا لا يستغرق سوى دقائق؟ أو رسالة تقول: “كيف حالك؟ اشتقنا إليك.”

قديمًا، كانت وسائل المواصلات شاقة وبطيئة، وكانت الرحلة بين المدن قد تستغرق أيامًا، وربما أسابيع، لذلك كان يُعذر من تأخر، ويُلتمس له العذر لبعد الطريق وصعوبة السفر.

أما اليوم، فقد أصبحت الطرق معبدة، والسيارات في كل بيت، والطائرات تختصر المسافات في ساعات قليلة، ووسائل التواصل جعلت العالم كله بين يديك. بضغطة زر تستطيع أن ترى من تحب، وباتصال لا يكلفك شيئًا تستطيع أن تطمئن على من غاب عنك.

ومع كل هذا التقدم… ازداد التباعد، وكثرت القطيعة، وقلَّ السؤال.

لم تعد المشكلة في بُعد المسافات، بل في بُعد القلوب.

والمؤلم أكثر أن الجنازة وحدها أصبحت تجمع من فرقتهم الحياة. يلتقي الجميع، ويتصافحون، ويتبادلون العزاء، ثم ما إن ينتهي الدفن حتى يعود كل واحد إلى حياته، وكأن اللقاء لم يكن، وكأن صلة الرحم انتهت بانتهاء مراسم العزاء.

بل حتى الهاتف الذي لا يحتاج إلى سفر، ولا إلى وقت طويل، ولا إلى مال كثير، أصبح ثقيلًا على بعض النفوس. تمر الأشهر، وربما السنوات، دون اتصال أو رسالة، ثم إذا جمعهم لقاء قال أحدهم بكل بساطة:

“والله كنت ناوي أتصل عليك… كنت بجيك… والله الظروف شغلتني.”

وكأن هذه الأعذار أصبحت جسرًا نعبر به إلى تأنيب الضمير بعد فوات الأوان.

كم من أمٍّ تنتظر ولدها كل يوم، تنظر إلى باب المنزل كلما سمعت صوت سيارة، لعل القادم هو ابنها الذي طال غيابه. لا تريد منه هدية، ولا مالًا، وإنما تريد أن تراه، وأن تسمع صوته، وأن تشعر أنها ما زالت تسكن قلبه.

وكم من أبٍ يخفي شوقه خلف صمته وكبريائه، يتمنى جلسة قصيرة مع أبنائه، وحديثًا عابرًا يملأ فراغ أيامه.

وكم من أخٍ ينتظر أخاه، ومن أختٍ تنتظر سؤالًا يطمئنها، ومن عمٍّ أو خالٍ أو قريبٍ يتمنى زيارة تعيد للحياة دفء الرحم الذي برد مع مرور الزمن.

لكننا للأسف لا ندرك قيمة هذه الأمنيات البسيطة إلا عندما تتحول إلى أمنيات مستحيلة.

حينها فقط، نتذكر كل شيء…

نتذكر ضحكاته، وكلماته، ومواقفه، وفضله علينا، ونبكي بحرقة، ونتمنى لو عاد للحظة واحدة لنقول له ما لم نقله، ولنعتذر عما بدر منا، ولنمنحه جزءًا من الوقت الذي كنا نظن أننا لا نملكه.

لكن الزمن لا يعود، والراحلون لا يعودون.

لقد اختلطت علينا الأولويات، فأصبحنا نجد الوقت لحضور المناسبات، والسهرات، والانشغال بالشاشات، بينما نعجز عن تخصيص دقائق لمن ينتظرنا من أهلنا.

اختفت كثير من المجالس العائلية التي كانت تجمع القلوب قبل الأجساد، وأصبح كل واحد يعيش في عالمه الخاص، يحمل هاتفه بين يديه، ويتواصل مع البعيد، بينما أقرب الناس إليه يشتاقون إلى حضوره.

إن الإنسان لا يحتاجك بعد موته بقدر حاجته إليك في حياته.

يحتاج أن يشعر أنه ليس منسيًا، وأن هناك من يسأل عنه دون مناسبة، ويطرق بابه دون موعد، ويتفقد أحواله دون مصلحة.

فالكلمة الطيبة في وقتها، والزيارة الصادقة في أوانها، والاتصال الذي يسبق الفقد… كلها أعظم أثرًا من ألف دمعة بعد الرحيل.

ليس أصعب على الإنسان من أن يقف أمام قبر من يحب وهو يردد:

“ليتني زرته… ليتني اتصلت… ليتني جلست معه أكثر… ليتني قلت له إنني أحبه.”

لكن كلمة “ليت” لا تعيد الأعمار، ولا تفتح بابًا أغلقه الموت.

من عجائب الحياة أننا نُكثر من الدعاء والثناء على الراحلين بعد موتهم، بينما بخلنا عليهم في حياتهم بكلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو اتصال يطمئن قلوبهم. كانوا يحتاجون إلى وجودنا وهم أحياء أكثر من حاجتهم إلى دموعنا بعد رحيلهم.

فلا تجعل أول زيارة طويلة لقريبك… بعد وفاته.

ولا تجعل أول اتصال صادق… بعد أن يُغلق هاتفه إلى الأبد.

ولا تؤجل صلة الرحم حتى تتحول إلى حسرة لا ينفع معها الندم.

فالأيام تمضي أسرع مما نظن، والأعمار أقصر مما نتخيل، والقلوب التي تنتظرنا اليوم قد لا تجدها غدًا.

زوروا من تحبون وهم يسمعون أصواتكم، واحتضنوهم وهم يشعرون بدفئكم، واسألوا عنهم قبل أن يصبح السؤال عليهم دعاءً بعد رحيلهم.

فأعظم الوفاء… ليس أن نحضر جنازة من نحب، بل أن نكون حاضرين في حياتهم قبل أن يرحلوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬