ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾
توقف قليلًا… وتأمل هذه الآية.
إنها ليست عن كتابٍ يُقرأ، بل عن عمرٍ كاملٍ كُتب، وعن حياةٍ لم يسقط منها شيء، مهما ظن الإنسان أنه نُسي أو خفي.
في ذلك اليوم سيجد الإنسان كل شيء حاضرًا أمامه..كم من يتيمٍ أُكل حقه، وظن الظالم أن الأيام قد طوت القصة… فإذا بها محفوظة في كتابٍ لا ينسى.
وكم من امرأةٍ قُذف عرضها، أو شُوِّهت سمعتها بكلمة، أو إشاعة، أو رسالة، أو تعليق، ثم نام من آذاها مطمئنًا… بينما الكلمة لم تمت، بل سُجلت.
وكم من أبٍ أو أمٍ بكى من عقوق ولد، وكم من ابنٍ أو ابنةٍ انكسرت قلوبهم من ظلم والديهم، وكل دمعةٍ أحصاها الله.
وكم من زوجٍ ظلم زوجته، أو زوجةٍ كسرت قلب زوجها، أو أبٍ فرّق بين أبنائه في العدل، أو مسؤولٍ خان الأمانة، أو موظفٍ عطّل حقوق الناس، أو تاجرٍ غش في بيعه، أو شاهدٍ كتم شهادة الحق، أو قاضٍ جار، أو غنيٍ منع الزكاة، أو جارٍ آذى جاره، أو شريكٍ خان شريكه، أو صديقٍ باع الود، أو قريبٍ قطع رحمه.
وكم من رحمٍ قُطعت، وقلوبٍ هُجرت، ووعودٍ أُخلفت، وأماناتٍ خُونت، وصداقاتٍ بيعت، وأسرارٍ فُضحت، وحقوقٍ سُلِبت، وأموالٍ أُكلت بالباطل، وألسنةٍ اغتابت، وأصابعٍ كتبت ما يغضب الله، وأعينٍ نظرت إلى ما حرم الله، وآذانٍ أصغت إلى الباطل، ورسائل أفسدت بين الأحبة، وتعليقاتٍ كسرت الخواطر، ومنشوراتٍ أشعلت الفتن، وكلمةٍ استُهزئ بها من فقير، أو مريض، أو كبير سن، أو صاحب إعاقة… كل ذلك لم يغب عن الله، بل كُتب وأُحصي.
وكم من دعوةٍ خرجت من قلب مظلوم في جوف الليل، ظن الناس أنها ذهبت مع دموعه، لكنها صعدت إلى السماء، وسُجلت عند ربٍ لا يضيع عنده حق.
وفي المقابل…
كم من يتيمٍ مُسحت دمعته.
وكم من مريضٍ زِير وخُفف عنه ألمه.
وكم من فقيرٍ أُطعم.
وكم من أمٍ أُدخل السرور إلى قلبها.
وكم من أبٍ بُرَّ حتى رضي.
وكم من أرملةٍ أُعينت.
وكم من مدينٍ فُرجت كربته.
وكم من طالبٍ شُجع حتى نجح.
وكم من جاهلٍ عُلّم.
وكم من ضائعٍ أُخذ بيده.
وكم من صدقةٍ خفيةٍ لم يعلم بها أحد.
وكم من كلمةٍ طيبةٍ غيّرت حياة إنسان.
وكم من سترٍ على مسلم، وإصلاحٍ بين متخاصمين، وعفوٍ عند المقدرة، وصبرٍ على البلاء، ورحمةٍ بضعيف، وإكرامٍ لكبير، وابتسامةٍ صادقة، وسقيا ماء، وغرس شجرة، وإماطة أذى عن الطريق، ودعاءٍ بظهر الغيب… كلها محفوظة لا يضيع منها شيء.
إنه كتابٌ لا يُسقط حرفًا، ولا ينسى نظرةً، ولا يُهمل دمعةً، ولا يتجاوز ظلمًا، ولا يُغفل إحسانًا.
فاحذر أن تستهين بصغيرة، فإنها مكتوبة، ولا تحتقر حسنة، فإنها مكتوبة أيضًا.
فما هذا العمر إلا صفحات، وما هذه الأيام إلا سطور، وسيأتي يوم تُفتح فيه صحيفتك، فلا ترى فيها إلا ما قدمت يداك.
فاجعل في كتابك ما يسرك أن تراه، وأكثر من الاستغفار، وردّ المظالم إلى أهلها، وأحسن إلى الخلق، فإن كل خيرٍ تفعله سيبقى، وكل شرٍ تصنعه سيبقى، ولن يضيع عند الله شيء.
فطوبى لمن امتلأ كتابه بالرحمة، والعدل، والصدق، والإحسان، والاستغفار… وويلٌ لمن ظن أن الله يغفل، ثم فوجئ بكتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.




