العِقَالُ… وَقَارٌ يُرْوَى

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر
حين ننظر إلى العقال، قد يراه البعض قطعةً من اللباس تكمل أناقة الثوب والشماغ، لكن العرب عبر تاريخهم نظروا إليه نظرةً أعمق من ذلك بكثير. فالعقال لم يكن يومًا مجرد زينة أو مظهر، بل كان رمزًا للوقار، والهيبة، والشهامة، ورجاحة العقل، والالتزام بشيم الرجال.
لقد ارتبط العقال بالمجالس التي تُحل فيها الخصومات، وتُحفظ فيها الحقوق، وتُعقد فيها العهود، حتى أصبح حضوره دليلًا على المسؤولية وحسن التدبير. وكان الرجل إذا وضع العقال على رأسه فكأنما يعلن التزامه بكلمته، ووفاءه بعهده، وتمسكه بمكارم الأخلاق التي توارثها العرب جيلًا بعد جيل.
وللعقال في بعض القبائل العربية دلالات عرفية عميقة، تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها جميعًا تنبع من احترام هذا الرمز. فقد يكون نزع العقال تعبيرًا عن الغضب أو الحزن أو الاستعداد لموقف مصيري، وقد يُلقى أمام أحد الوجهاء أو الخصوم طلبًا للصلح أو الاستجارة أو العفو، فيكون للعقال في تلك اللحظة لسانٌ يتحدث بما تعجز عنه الكلمات. لذلك لم يكن العقال مجرد لباس، بل كان رمزًا يحمل رسائل الشرف والكرامة والمروءة.
ولم تقف قيمة العقال عند حد المظهر، بل ارتبط بأخلاق العرب الأصيلة؛ من الوفاء بالعهد، وإكرام الضيف، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، واحترام الكبير، وصلة الرحم، والصدق في القول، والشجاعة في المواقف. فهذه القيم هي التي منحت العقال مكانته، وجعلته شاهدًا على حضارةٍ عريقة، لا مجرد قطعةٍ تُلبس فوق الرأس.
واليوم، ومع الانفتاح على العالم وتطور أساليب الحياة، يبقى الاعتزاز بالهوية العربية قيمةً راسخة لا تتعارض مع التقدم، بل تؤكد الثقة بالنفس والانتماء للأصل. فالتطور لا يعني أن نتخلى عن لباسنا، ولا أن نستبدل هويتنا بتقليد غيرنا، وإنما يعني أن ننافس العالم في العلم والإنجاز، ونحن متمسكون بأصالتنا، معتزون بتراثنا، وفخورون بزيّنا العربي.
إن العقال والثوب العربي ليسا مجرد مظهر خارجي، بل هما عنوان لتاريخٍ عريق، ورمز لقيمٍ أصيلة، وهويةٍ نفخر بها أينما كنا. فمهما سافرنا، وتعلمنا، وانفتحنا على الثقافات، يبقى واجبنا أن نحافظ على هويتنا، وأن نورثها لأبنائنا كما ورثناها عن آبائنا وأجدادنا. فالأمم التي تحفظ هويتها هي الأمم التي تحفظ تاريخها، وتصنع مستقبلها بثقة، أما من يتخلى عن هويته، فإنه يفقد جزءًا من ذاته قبل أن يفقد مظهره.
فلنلبس العقال فخرًا، لا عادة، ولنرتدِ الثوب اعتزازًا، لا تقليدًا، ولنجعل من لباسنا العربي رسالةً تروي أصالة الإنسان العربي، وتُجسد اعتزازه بهويته. فالأمم لا تُعرف بما تلبس فحسب، بل بما تحفظه من قيم، وما تصونه من إرث، وما تُورِّثه لأبنائها من هويةٍ راسخة، تظل مصدر عزّها وفخرها، وتبقى شاهدةً على أصالتها مهما تغيَّرت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.




