مقالات

زمن البساطة الذي لا يُنسى

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

يستوقفنا كثيرًا حديث الكبار عن زمنٍ مضى، زمنٍ كانوا يسمونه “أيام الفقر”، بينما لو تأملناه اليوم لوجدنا أنه كان زمنًا مليئًا بأشياء لا تُشترى بالمال، ولا تُقاس بالأرصدة، ولا تُحفظ في البنوك.

كان الفقر يومها يعني قلة المال، لكنه لم يكن يعني قلة الفرح، ولا ضعف العلاقات، ولا جفاف المشاعر. كانت البيوت بسيطة، وربما صغيرة المساحة، لكنها كانت تتسع للجميع. وكانت الأبواب لا تُغلق إلا عند النوم، والقلوب لا تعرف الأقفال.

كانت الأعراس تمتد أيامًا، لا لأن أصحابها أغنياء، بل لأن الفرح كان يسكن القلوب قبل أن يسكن القاعات. يجتمع أهل الحارة والأقارب والجيران، يفرحون لفرح بعضهم وكأن العريس ابن الجميع، والعروس ابنة الجميع. لم تكن هناك دعوات فاخرة ولا تصوير مبالغ فيه، لكن كانت هناك سعادة حقيقية لا تُشترى.

كان الناس يملكون القليل من المال، لكنهم كانوا يملكون الكثير من الرضا. إذا حضر الطعام اجتمعوا عليه شاكرين، وإذا قلّ اقتسموه مبتسمين. لم تكن المقارنات تسرق راحتهم، ولم تكن حياة الآخرين تشغلهم عن حياتهم.

في ذلك الزمن كانت الرواتب قليلة، لكن البركة كبيرة. وكانت الملابس متواضعة، لكن الكرامة عالية. وكانت المجالس عامرة بالأحاديث الجميلة والضحكات الصادقة، لا بالشاشات الصامتة التي جمعت الأجساد وفرّقت الأرواح.

كان شهر رمضان ضيفًا عزيزًا ينتظره الجميع بشوق، وكان للعيد فرحة لا تشبهها فرحة. وكانت عودة الحجاج مناسبة ينتظرها الصغار قبل الكبار، يحملون معهم الهدايا البسيطة التي كانت تدخل السرور إلى القلوب وكأنها كنوز ثمينة.

أما اليوم، فقد أصبح كل شيء متاحًا أكثر من أي وقت مضى. بيوت أكبر، وأجهزة أحدث، وتقنيات لا حصر لها، لكن شيئًا ما تغيّر في الداخل. أصبحنا نملك وسائل التواصل أكثر، ونتواصل أقل. نرى الناس أكثر، ونشعر بهم أقل. ازدادت المظاهر، وقلّت البساطة. ازدحمت الحياة بالأشياء، لكنها افتقرت إلى الكثير من المعاني.

لسنا نشتاق إلى الفقر ذاته، فالفقر كان ولا يزال قاسيًا على النفوس. لكننا نشتاق إلى ذلك الزمن الذي كان فيه الإنسان أقرب إلى الإنسان، والجار أقرب إلى جاره، والأخ أقرب إلى أخيه. نشتاق إلى زمن كانت فيه البركة تسكن القليل، وكان الرضا يملأ النفوس، وكانت العلاقات تُبنى على المحبة لا على المصالح.

كلما تقدم بنا العمر، أدركنا أن أجمل ما فقدناه لم يكن بيتًا قديمًا، ولا شارعًا تغيرت ملامحه، ولا أدواتٍ اختفت مع الزمن، بل تلك المشاعر الصادقة التي كانت تمنح الحياة دفئها. أدركنا أن أجمل الذكريات ليست تلك التي التقطتها الكاميرات، بل تلك التي حفظتها القلوب.

وربما لهذا السبب، كلما تذكرنا تلك الأيام، أخذنا تنهيدة طويلة… ليست حزنًا على ما مضى، بل شوقًا إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، والناس أصدق، والقلوب أنقى، والبركة أكثر حضورًا في كل شيء.

رحم الله تلك الأيام، ورحم من رحلوا وتركوا لنا ذكرياتٍ كلما مرت بخاطرنا ابتسم القلب قبل العين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬