مقالات

دورة حياة إدارة استمرارية الأعمال: نموذج سعودي رائد في الجاهزية المؤسسية

بقلم: د. المعتنى المزروعي

بقلم: د. المعتنى المزروعي

أصبحت استمرارية الأعمال اليوم أحد المرتكزات الأساسية لضمان استدامة العمليات والخدمات الحيوية في المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء. وفي ظل تنامي حالة عدم اليقين وتعاظم المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية، لم تعد قدرة المؤسسات على مواجهة الأزمات والكوارث تُقاس بوجود الأطر التنظيمية ومعايير الحوكمة فحسب، بل بمدى ترسيخها كثقافة مؤسسية، وفاعلية تطبيقها أثناء الأزمات، ومستوى المرونة التشغيلية، والقدرة على مواصلة أداء الوظائف الحيوية واستعادة العمليات ضمن الأطر الزمنية المقبولة.

ومن هنا برز مفهوم دورة حياة إدارة استمرارية الأعمال (Business Continuity Management Lifecycle) بوصفه إطارًا منهجيًا متكاملًا يهدف إلى بناء وتعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة الاضطرابات وضمان استمرارية أعمالها في مختلف الظروف. ويعتمد هذا المفهوم على الانتقال من ثقافة الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى ثقافة الاستعداد المسبق والتخطيط الاستباقي وإدارة المخاطر بصورة منهجية، بما يضمن المحافظة على الخدمات والعمليات الحيوية مهما كانت التحديات.

وقد تطورت دورة حياة إدارة استمرارية الأعمال من المفاهيم التقليدية المرتبطة بالتخطيط للطوارئ والتعافي من الكوارث إلى منهجية إدارية متكاملة تُعنى ببناء المرونة المؤسسية وتعزيز الجاهزية التشغيلية وإدارة المخاطر بصورة استباقية (ISO, 2019؛ BCI, 2023.). ومع تزايد تعقيد بيئات الأعمال وارتفاع مستويات المخاطر التشغيلية والتقنية والأمنية، تبنت المؤسسات أطرًا أكثر شمولًا ترتكز على تحليل أثر الأعمال، وتطوير استراتيجيات الاستمرارية، واختبار الجاهزية، والتحسين المستمر لضمان استدامة العمليات والخدمات الحيوية.

وتعتمد دورة حياة إدارة استمرارية الأعمال على مجموعة مترابطة من المراحل تبدأ بإدارة البرنامج، وتوفير الدعم القيادي، والحوكمة المؤسسية اللازمة، وفهم المنظمة وتحليل بيئتها الداخلية والخارجية و(BIA)، وتحديد العمليات والأنشطة الحيوية، ثم تطوير استراتيجيات الاستمرارية واختيار البدائل المناسبة للحفاظ على تلك العمليات عند وقوع الأزمات أو الحوادث. وآلية التعافي، كما تشمل أيضا تطوير وتنفيذ الخطط والإجراءات، وإجراء التمارين والاختبارات الدورية، وقياس مستوى الاستعداد، ومراجعة الأداء والتحسين المستمر استنادًا إلى الدروس المستفادة والمتغيرات المستجدة.

ومما يبرز أهمية استمرارية الأعمال تجربة المملكة العربية السعودية في مواجهة جائحة كوفيد-19، إذ أظهرت مستوى متقدمًا من الجاهزية المؤسسية والتكامل الحكومي، من خلال تفعيل منظومات الاستجابة الوطنية، وتسريع التحول الرقمي، وضمان استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية والحكومية بكفاءة عالية. وتترسخ هذه الأهمية بالوقت الراهن في ظل الاضطرابات والمخاطر الجيوسياسية وتحديات سلاسل الإمداد العالمية، حيث تعكس القدرات المؤسسية واللوجستية للمملكة، المدعومة ببنية تحتية متقدمة واستثمارات استراتيجية، مستوى متقدمًا من المرونة التشغيلية واستدامة العمليات الحيوية.

وهو ما أكدتهً المؤشرات الدولية، إذ حققت المملكة المركز الأول إقليميًا في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية بنسبة 96%، وهو مؤشر تصدره لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA ) لقياس مستوى نضج وتكامل الخدمات الحكومية الرقمية المقدمة عبر المنصات الإلكترونية وتطبيقات الأجهزة الذكية. كما احتلت المملكة المركز الثاني عالميًا في مؤشر نضج التقنيات الحكومية (GTMI) لعام 2025، الصادر عن مجموعة البنك الدولي، بما يعكس نضجًا متقدمًا في الجاهزية الرقمية واستمرارية الخدمات في مختلف الاحداث.

ولم يكن هذا الأداء استجابة لحظية، بل نتيجة جهود تراكمية واستثمارات استراتيجية امتدت لسنوات في مجالات الحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي، واستمرارية الأعمال. وقد أسهم ذلك في بناء منظومة مؤسسية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات، الأمر الذي عزز جاهزية المملكة للتعامل مع التحديات اللاحقة بكفاءة وفاعلية. كما رسخ ذلك دور المملكة بوصفها شريكًا رئيسًا في دعم استمرارية الإمدادات الإقليمية، ورافدًا مهمًا لاستقرار سلاسل الإمداد والأسواق العالمية.

وتعكس هذه المؤشرات حقيقة مهمة مفادها أن استمرارية الأعمال لم تعد ممارسة تشغيلية محدودة النطاق، بل أصبحت ممارسة استراتيجية راسخة تعزز الجاهزية الوطنية، وتدعم المرونة المؤسسية، وتسهم في استدامة التنمية. كما أن ارتفاع مستوى النضج في إدارة المخاطر مكّن المؤسسات من تقليل آثار الانقطاعات، وحماية مصالحها، والمحافظة على سمعتها وقدرتها على تقديم خدماتها بكفاءة.

وختامًا، فإن المزيد من الاستثمار في تطبيق حياة إدارة استمرارية الأعمال بتطوير الاستراتيجيات والبرامج والتدريب والاختبارات الدورية يمثل ركيزة إدارية ورافدا مهما لتعزيز التكيف والصمود المؤسسي، وضمان كفاءة سلاسل الإمداد والعمليات الحيوية، بما يحافظ على الأداء واستمرارية الخدمات في مختلف الازمات، ودرع حصين للمصالح الوطنية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬