مقالات

حين ننسى أننا نعيش في النِّعَم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

في كل صباح، نستيقظ على تفاصيل اعتدناها حتى فقدت في أعيننا قيمتها. نفتح أعيننا، نخطو بأقدامنا، نتنفس بلا أجهزة، نرى من نحب، ونغلق أبواب بيوتنا ونحن مطمئنون. ثم، وبرغم كل ذلك، نقضي يومنا نعدّ ما ينقصنا، ونغفل عما يملأ حياتنا من نعم.

كم من إنسان يضيق صدره لأنه تأخر في زحام الطريق، بينما هناك من يتمنى أن يملك قدمين تحملانه إلى ذلك الطريق. وكم من شخص يتذمر من عمله، في الوقت الذي يقضي فيه آخرون أعمارهم يبحثون عن فرصة تحفظ لهم كرامتهم. وكم من أم أنهكها صخب أطفالها، بينما تذرف امرأة أخرى دموعها كل ليلة لأنها لم تسمع يومًا كلمة “أمي”.

نحن لا نفتقد النعم حين تزول فقط، بل نفتقدها حين ندرك أنها كانت تملأ حياتنا بصمت، وأننا كنا نمر بها كل يوم دون أن نقول: الحمد لله.

المؤلم أن الإنسان لا يعرف قيمة الأمن إلا إذا عاش الخوف، ولا يعرف قيمة الصحة إلا إذا لازمته الأسرة البيضاء، ولا يعرف دفء البيت إلا إذا بات ليلته بلا مأوى. عندها فقط، تتحول الأشياء التي كان يشتكي منها إلى أحلام يتمنى عودتها ولو ليوم واحد.

ليس كل ما يرهقنا نقمة، فقد يكون التعب دليل حياة، والانشغال دليل عطاء، وكثرة المسؤوليات دليل أن الله ائتمنك على نعمٍ عظيمة. فالبيت الذي يحتاج إلى ترتيب، خير من بيتٍ خلا من أهله. والملابس التي تنتظر الغسيل، دليل سترٍ ونعمة. والأطباق المتراكمة، تشهد أن مائدتك لم تكن خالية.

كم من أناس يعيشون بين الحروب، يودّ أحدهم أن يسمع ضجيج السيارات بدل أصوات القذائف، وأن ينزعج من انقطاع الإنترنت بدل انقطاع الماء والدواء، وأن يشكو من حرارة الصيف وهو يملك سقفًا يحمي أطفاله.

لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ كثرت فيه المقارنات، حتى نسينا أن أعظم النعم ليست ما نملكه، بل ما نعيشه كل يوم دون أن نشعر به. فالطمأنينة نعمة، والأمان نعمة، والعافية نعمة، ووجود من نحب حولنا نعمة لا يساويها مال.

توقف قليلًا… وانظر إلى حياتك بعين الامتنان لا بعين النقص. ستكتشف أن الله أغدق عليك من فضله أكثر مما أدركت، وأن كثيرًا مما اعتدته هو أمنيات لملايين البشر.

فإذا ضاق صدرك يومًا، فلا تبدأ يومك بالشكوى، بل ابدأه بالحمد. فمن عرف قيمة ما بين يديه، عاش غنيًّا ولو قلّ ماله، ومن لم يعرفها، فلن تُشبعه الدنيا كلها.

الحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة الأمن، والحمد لله على نعمة الصحة، والحمد لله على كل نعمة نعيشها ولا نشعر بعظيم أثرها إلا إذا فقدناها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬