مقالات

فضل مكة المكرمة وشيءٌ من خصائصها 

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :

معاشر القراء الكرام : إنَّ لمكة المكرمة ، فضلٌ كبيرٌ في شريعة الإسلام ؛ إذ هي مهبط الوحي ، ومنبع الرسالة ، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ، ثم معراجه إلى ما فوق السماء السابعة ، ومن مكة شعَّ نور الإسلام والإيمان ، فكانت منبع الهداية للبشرية جمعاء ، ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ؛ فأخرجهم الله بدعوته من ظلمات الشرك والمعصية إلى نور التوحيد والطاعة ، ومن ذل عبادة الأصنام ، والأوثان إلى عز عبادة الله الملك الديان ، ولذا قال الله تعالى فيها : – إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ – آل عمران : 96 – 97 وقال تعالى : – وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ – التين : 3 وقال تعالى : – وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها – الأنعام : 92 ولمكة المكرمة شرفها الله وعظَّمها من الخصائص ، والمميزات العظيمة ما ليس لغيرها ، وأذكر منها ما يلي :

1-أنَّ في مكة المكرمة بنيت الكعبة المشرفة ؛ مثابةً للناس وأمناً ، فكانت قبلةً للمصلين ، ومأوى أفئدة الموحدين ، وطهرةً للطائفين والعاكفين ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – وفي حديث أبي ذَر رضي الله عنه : – قال قلتُ : يا رسولَ الله أيُّ مَسجِد وُضِع في الأرض أوَّلُ ؟ قال : الْمسْجِدُ الْحَرَامُ . قلت : ثم أَيُّ ؟ قال : الْمسجِدُ الأقْصَى . قلت : كم بينهما ؟ قال : أرْبَعُونَ سَنَةً رواه البخاري ومسلم .

2 – أنَّ الله تعالى أمر أبانا إبراهيمَ عليه السلام أن ينادي بالحج إلى بيته المعظَّم الكعبة المشرفة والمشاعر المقدسة ؛ قال الله تعالى : – وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ – البقرة : 125 وقال تعالى : – وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ – الحج : 27 وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : – لما فرغَ إبراهيمُ من بناء البيتِ قال : ربِّ قد فرغتُ . فقال : أَذِّن في الناس بالحج . قال : ربِّ وما يُبَلِّغُ صوتي ؟ قال : أذِّن وعلي البلاغ . قال : ربِّ كيف أقول ؟ قال : قل : يا أيها الناس ، كُتب عليكم الحج ، حج البيت العتيق ؛ فسمعه مَنْ بين السماء والأرض ؛ ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون ؟ – رواه الحاكم في مستدركه ، وقال الحاكم هذا حديثٌ صحيح الإسناد ، وقوَّى إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري .

3-أنّ الصلاة في مسجد الكعبة بمائة ألف صلاةٍ عن غيرها من المساجد ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ – رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية : – صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ – رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ – رواه أحمد في مسنده ، وصحَّح الحديث الألباني في صحيح الجامع برقم 3838 .

4-أنَّ الله ميَّز مكَّة ، وفضَّلها عن غيرها من البلدان : لما فيها من المشاعر المقدسة التي وطِئَتْ فيها قدمَا أبينا إبراهيمَ عليه السلام ، ومن جاء بعده من الأنبياء ، والصالحين من عباده ، قال الله تعالى : – فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ – البقرة : 198 – 199 وقال صلى الله عليه وسلم : – إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ – رواه أبو داود ، وفي رواية الترمذي : – إنما جُعِلَ رَميُ الجمَارِ ، والسَّعيُ بَينَ الصفا والمروة ، لإقامةِ ذِكْر الله – وحسَّن الحديث ابن الأثير في جامع الأصول برقم 1505 .

5-ومن خصائص مكة المكرمة : أنَّ الله جعل فيها خيراً وبركةً في الثمار ، والأرزاق بفضل الله وحده ؛ ثمَّ بدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام ؛ قال الله تعالى : – رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ – إبراهيم : 37 .

اخواني القراء : ما تعيشه بلادُنا السعوديةُ – من شرقها إلى غربها ، ومن شمالها إلى جنوبها – من نعمٍ كثيرةٍ هي من آثار هذه الدعوة الكريمة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؛ ولله الحمد والمنة .

6-أنَّ مكة المكرمة : من أحبَّ البقاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى أمته من بعده ؛ لأنَّ فيها ولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبها نشأ وترعرع ، ومنها بعث بالنبوة والرسالة ، وبدأت دعوة الإسلام الحنيف ؛ قال صلوات ربي وسلامه عليه عن مكة المكرمة : – ما أطيبكِ من بلد ، وأحبك إلي ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك – رواه الترمذي وحسَّنه ، وصحَّحه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 2724 وقال صلى الله عليه وسلم : – اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا المَدينةَ كَحُبِّنا مَكَّةَ أَوْ أَشَد – رواه البخاري ومسلم .

7-أنَّ في مكة المكرمة ؛ الحرم المكي الشريف أو ما يسمَّى بالمسجد الحرام ؛ وهو كلُّ ما كان داخل حدود الحرم ، وهو الذي قال الله تعالى فيه : – يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ – البقرة : 217 وقال تعالى : – إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ – الحج : 25 قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ” ما من رجلٍ يَهمُّ بسيئة ، فتكتب عليه ، ولو أنَّ رجلا بعَدَن أبينَ ؛ هَمّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت ، لأذاقه الله من العذاب الأليم ” رواه أحمد وأبو يعلى ، والحاكم ، وقوَّى إسناده ابن حجر في المطالب العالية ، وقال صلى الله عليه وسلم يومَ فتح مكةَ : – إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ ، وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ – متفق عليه .

إخواني القراء : كم هي المميزات والخصائص لمكة المكرمة شرفها الله ، وعظَّمها ، أوردت بعضها دلالةً على غيرها ، والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا ، وينفعنا بما علمنا ، وأن يجعل بلدنا هذا بلداً آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً ، وسائر أوطان المسلمين ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬