يوم في حياة طبيبة

بقلم:د .إلهام الغامدي
استيقظت الساعة الخامسة والنصف فجراً كالعادة لتجهيز نفسي قبل ايقاظ بناتي للمدرسة. ومازالت اعراض الزكام والكحة موجودة ولكني افضل حالاً من الايام السابقة ولله الحمد. وبعد ايصال بناتي للمدرسة توجهت للمستشفى والافكار تتزاحم داخل رأسي طوال الطريق. لم يسبق لي ان استغللت مسافة الطريق للاسترخاء فكل يوم لدي مهام اريد ان انهيها! وصلت لبوابة المشفى واعطيت سواقي تعليمات اليوم كالعادة.
وبمجرد دخول عتبة المستشفى ارتسمت على ملامحي ابتسامة مرحبة بالجميع متناسية جميع مشاكلي وهمومي خارج الدوام. توجهت لقاعة اجتماعات قسم النساء لحضور الاجتماع الصباحي، وهناك تم تقديم الحالات من قبل المناوبين في اليوم السابق بعد تمحيص وتدقيق من استشاريين القسم لتدريب الجيل الجديد من الاطباء و زيادة الحس الاكلينيكي للتشخيص الدقيق. وبعد استلامي للمناوبة توجهت لغرفة الولادة ـ المكان الاكثر اهمية لأي طبيب نساء ـ وقمت مع الفريق المناوب بعمل مرور على المريضات وماتضمنه من مراجعة ملفاتهن و اعادة تقييم وضعهن والاجابة على اسئلتهن واعتماد خطط علاجهن. نظرت للساعة انها التاسعة والنصف صباحاً مازال لدي الوقت لانجاز بعض المهام قبل موعد عيادتي الساعة الواحدة ظهراً. صعدت للدور الخامس لعمل المرور على مريضاتي في قسم التنويم. وهاهي مريضتي الاولى ترحب بي قائلة اخيراً شفناك يادكتورة! كم انا ممتنة لحب مريضاتي لي وشوقهم للقائي كل يوم وسماع دعواتهن الجميلة لي التي تخفف من وطأة هموم الحياة وتشجعني للاستيقاظ كل صباح لسماعها. بعد انتهاء المرور على جميع مريضاتي بحثت عن اقرب جهاز حاسب متاح وقمت بانهاء طلبات المرضى من تقارير طبية واجازات مرضية وجدولة مواعيد وغيرها في الوقت الذي اتصلت به الاخصائية المناوبة في غرفة الولادة لتخبرني بأن احدى المريضات لديها تخطيط جنين سيء يحتاج تدخل سريع وبعد ان اطلعت عليه وافقتها على قرارها بعمل قيصرية طارئة لانقاذ الجنين.
وكالعادة يجب على الاستشاري المناوب ان يكون على اهبة الاستعداد للتدخل في حال احتياجه في العمليات او لاتخاذ قرارات مصيرية لانقاذ المرضى. وفي ذلك الوقت قررت بأنني يجب أن اتناول افطاري فقد حان اذان الظهر ولم يتبق وقت على موعد عيادتي وماكانت الا لحظات قبل ان اتوجه بالطعام الى المصعد في طريقي الى غرفة الاستشاريات الا ان القدر كان له كلمة اخرى فقد صادفت ممرضة الطوارئ مسرعة بجهاز العلامات الحيوية وسألتها مالذي يجري؟؟ اخبرتني بأنه تم تفعيل النداء لفريق الاستجابة المستعجلة مايعني وجود حالة في خطر! سألتها اين النداء؟ قالت في الطابق السفلي! اسرعنا باتجاه النداء ووجدنا عاملة نظافة مستلقية على الارض في الممر بين المكاتب وهي تتشنج والرغوة تخرج من فمها! ككادر طبي نعلم ان هذه حالة طارئة جداً ومن المهم استقرارها على وضعية معينة وانعاشها ولكن الطاقم الاداري من موظفين اداريين وموظفين الامن وعمال النظافة كانوا ينظرون لها ولا يعلمون ماذا يفعلون ولكنهم تصرفوا بشكل صحيح بتفعيل النداء لكن للاسف لا توجد شبكة للاتصال في الطابق السفلي ولم نتمكن من التواصل مع الفريق المناوب لمساعدتنا! في الوقت الذي وصل فيه بقيه اعضاء فريق الاستجابة المستعجلة وعلى رأسهم استشاري التخدير قمنا بوضعها على النقالة و تثبيتها لضمان عدم اصابتها ولكن التشنج مستمر ولم يتوقف مايعني ان وضعها خطير! وفي اثناء نقلها تم حقنها بدواء الصرع لتهدئتها وسحب التحاليل اللازمة وبمجرد وصولنا لغرفة الانعاش في الطوارئ تم التواصل مع استشاري الطوارئ العام وترتيب نقلها بالاسعاف لانقاذ حياتها وبمجرد استقرار حالتها نظرت للساعة انها الواحدة وعشرة دقائق يجب ان اذهب للعيادة! ولكن الاخصائية في الطوارئ اخبرتني بأن الوضع كارثي في طوارئ النساء ويجب ان اتدخل! ذهبت معها بعد ان تواصلت مع رئيس القسم لتكليف من يغطي عيادتي حتى انتهي من الطوارئ وفي نفس الوقت تواصلت معي الاخصائية المناوبة في الاقسام بأن هنالك حالة التفاف للمبيض في الطوارى العام ويجب ان نأخذها للعمليات! أكاد أن أنتف شعر رأسي! ما الذي يجري؟ كيف انقلب الحال في دقائق؟ لا استطيع ان اكون في اكثر من مكان في نفس الوقت! يجب ان ارتب اولوياتي لضمان سلامة المرضى. اولاً تم التعامل مع وضع الطوارئ ولله الحمد. ثانياً تم تقييم الحالة في الطوارئ العام وطلب الاشعة لها فلم تكن حالة مستعجلة ويمكننا الانتظار لحين نقلها بالاسعاف لطوارئ النساء
. ثالثاً تم الاطمئنان على وضع القيصرية والمرضى في غرفة الولادة. حينها استطعت ان آخذ نفس عميق واتوجه للعيادة بالرغم انني لم اجد الوقت لاتناول طعامي ولكني تلقيت اتصال من رئيس القسم بأن احدى مريضاتي في العيادة اشتكت لعدم تواجدي فيها! اسرعت للعيادة انها الواحدة وخمسون دقيقة ظهراً.
حسناً سيكون كل شي على مايرام وسينتهي اليوم بأفضل حال بإذن الله. بعد ان شكرت الطبيب الذي قام بتغطية عيادتي قمت باستقبال مريضاتي الواحدة تلو الاخرى مع الاعتذار لهن عن تأخري. الحمدلله استطعت انهاء جميع المواعيد قبيل الساعة الرابعة بقليل. توجهت لغرفة الولادة الوضع مستقر ولله الحمد.
تأكدت من وجود الفريق المناوب الجديد و علمه بخطة علاج كل مريضة. اثناء مغادرتي للمستشفى تلقيت اتصال من صديقتي اللتي تتابع حملها عالي الخطورة معي. الهام لدي انقباضات متتالية! وكان ردي لها تعالي بسرعة للطوارئ انا في انتظارك.
ما ان قمت بتقييم حالتها و الاطمئنان عليها توجهت لمنزلي احتاج للاكل والراحة لقد كان يوماً طويلاً ومازل لدي الليلة بأكملها. كان الطريق مزدحماً لم اصل لمنزلي الا بعد اذان المغرب. وبمجرد دخولي المنزل تهاتفن علي بناتي وقمن باحتضاني. ماما ليه اتأخرتي؟ بعد ان قبلتهن كان عندي شغل ياماما. اكيد انتي تعبانه ياماما ارتاحي.
غمرتني السعادة لحنية بناتي عليّ كم احبهن واحب حنيتهن. قمت بتغيير ملابسي وصليت المغرب وما ان جلست لتناول الطعام الا ورن هاتفي! نعم! دكتورة الحالة انهت الاشعة هنالك التفاف ع المبيض يجب اخذها للعمليات فوراً نحتاجك معنا فهي حالة عالية الخطورة. كادت الدمعة تنزل من عيني. لماذا ياربي. انني متعبة للغاية. كيف يكون هنالك التفاف للمبيض في الاشعة والحالة مستقرة؟ سألت الاخصائية وقد ارتفع صوتي من الغضب. قالت نعم معك حق الحالة مستقرة ولكن ماذا نفعل لا نستطيع تجاهل تقرير الاشعة. حسناً انا في طريقي اليكم جهزوها للعمليات. وبمجرد وقوفي انهرن بناتي بالبكاء ياماما هذا ظلم ماجلستي معانا. لم استطع مناقشتهن فانا متعبة للغاية وهن على حق وقد قارب موعد نومهن ولن استطيع العودة قبله للنوم معهن لذلك قررت ان اخذهن معي للمستشفى. قفزن من شدة الفرح وتجهزن قبلي من شدة الحماس. بعد وصولنا للمستشفى اخذتهن لغرفة الولادة حيث الوضع مستقر وطلبت من القابلات هناك ان يعتنوا ببناتي لحين انتهائي من العملية.
توجهت لقسم العمليات وتحدثت مع المريضة قبل ان نبدا العملية. تم استدعاء اطباء الجراحة بسبب اشتباه التهاب الزائدة الدودية في تقرير الاشعة. كانت عملية طويلة استغرقت ٣ ساعات بالرغم من عدم التفاف المبيض كما توقعت لكننا قمنا بازالة كيس وظيفي على المبيض ولكن بسبب وجود مرض مناعي مزمن في القولون لم تكن عملية سهلة حتى بوجود اطباء الجراحة معنا.
انتقلت المريضة للافاقة بسلام. ودّعت الاطباء المناوبين وهرعت لرؤية بناتي لقد كن نائمات على كنب في غرفة القابلات. كنت ممتنة جداً لاهتمامهن في بناتي ولكن من شدة التعب لم استطع التحدث. انني لا اقوى على حملهن يجب ايقاظهن! حتى السائق كان نائماً! يا الهي لقد عانى الجميع بسببي! توجهنا للمنزل وقمت بوضعهن في اسرتهن وتغيير ملابسهن. بعدها انهرت على السرير انها الواحدة صباحاً هل يعقل انني مازلت صامدة؟ لقد قاربت ان اتم ٢٤ساعة على قدميّ! هل سأستطيع الاستيقاظ الساعة الخامسة؟ لا اعلم ولكن يجب ان اذهب للاجتماع الصباحي لتسليم المناوبة لان لدي اجتماع مهم بعده.
استيقظت عدة مرات للاجابة على هاتفي واعطاء خطة العلاج للاخصائيين. رن المنبه وانا اجاهد نفسي للاستيقاظ. ليس فقط جسمي الذي يؤلمني فعقلي خارج عن العمل و صوتي قد اختفى من شدة التعب و الكحة. لماذا اخترت هذه الحياة؟ ولماذا هذا التخصص المتعب؟ اريد ان استقيل! هنالك العديد من الافكار تراودني. الحمدلله بناتي لديهن اجازة من المدرسة اليوم لاداعي لايقاظهن. تم الانتهاء من الاجتماع وعدت للمنزل اجر الخطى وقد استيقظن بناتي. قمت باحتضانهن وقلت ماما تحتاج تنام ولكن عند استلقائي على السرير لم استطع النوم من شدة التعب! وفي النهاية نمت ٤ ساعات فقط واستيقظت وجسمي يئن من التعب ولكن بناتي لهن حق علي يجب ان العب معهن واقوم بالتنزه معهن فهو الخميس الونيس ولا يمكن قضائه في المنزل! لقد كان يوماً حافلاً. اتمنى أن تكون مناوبتي القادمة افضل، وان اكون سبباً في الشفاء وليس في الشقاء.




