وصايا لمن عزم الحج

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر القراء : هناك وصايا مهمةٌ ، وآدابٌ قيمةٌ لحجاج بيت الله الحرام قبل الذهاب لتلك الديار المقدسة ، وهي على النحو التالي :
1-التوبة الصادقة ، من الذنوب صغيرها وكبيرها ؛ بتركها ، والابتعاد عنها ؛ والتوبة إلى الله من كل قصورٍ في أوامر الله ؛ واجبها ، ومستحبها ؛ بفعلها ، والحفاظ عليها ؛ قال الله تعالى : – وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ – النور : ٣١ وقال تعالى : – يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً – التحريم : ٨ .
2-أن تخلصوا نياتكم لله في أدائكم لهذه الفريضة العظيمة ؛ ليقبلها الله منكم كسائر العبادات ؛ التي تفعلونها من أجل الله ، وابتغاءً لفضله ، وثوابه ؛ قال الله تعالى : – قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ – الزمر : ١١ – ١٢ وقال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ – رواه البخاري ومسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – إنَّ الله لا يقبل من العمل إلاَّ ما كان له خالصاً ، وابتغي به وجه الله – رواه النسائي ، قال المنذري إسناده جيد .
3-وجوب تعلُّم أحكام الحجٍّ ، وصفتهُ ، ومحظوراتهُ ، وسائر الأحكام المتعلقة به قبل أداء فريضة الحج ؛ ليكون حجكم مقبولاً ، وسعيكم مشكوراً ، وذنبكم مغفوراً ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : – لتأخذوا عني منساككم – رواه مسلم في صحيحه ، ولا تُعْرَفُ أحكام الحج ، وصفتُه ، ومحظوراتُه ، وسائرُ متعلقاتِه إلاَّ بسؤال علماء الشريعة عما أشكل من مسائل الحجِّ خاصةً ، وسائر أحكام الدين الإسلامي عامةً ، وقد قال الله تعالى : – وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ – النحل : ٤٣ .
4-إذا عزم العبد على حجِّ بيت الله الحرام ؛ فعليه أن يُسدِّد ديونه الحالةِ عليه – واجبٌ تسليمها لأصحابها – وأن يكتب وصيته إن كانت له أو عليه ؛ لعلَّه لا يعود إلى بلده مرةً أخرى ، قال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ – رواه البخاري في صحيحه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ – رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ – رواه البخاري ومسلم .
5-أن يترك الحاج لأهله ، وأولاده ، ومن تجب عليه النفقة عليهم ؛ ما يكفيهم في حال سفره حتى يعود إليهم ، قال الله تعالى : – وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ – البقرة : ٢٣٣ وقال تعالى : – الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ – النساء : ٣٤ وقال صلى الله عليه وسلم : – كَفَى بِالْمَرْءِ إثما أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ – رَوَاهُ مُسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً – أي فقراء -يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ – متفقٌ عليه .
6-أن تكون نفقة الحاج وما قدَّمه من مالٍ لاستخراج تصريح حملةٍ في الحج ؛ من المال الحلال الطيب ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : – يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ – المؤمنون : 51 وَقَالَ : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ – البقرة : 172 ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ – رواه مسلم في صحيحه .
7-أن يحرص حاجِّ بيت الله الحرام على الرِّفقة الصالحة ؛ الذين يذكرونه بالله إذا نسي ، ويستفيد منهم علماً ، وعملاً ، وأخلاقاً حسنةً في سفره ، وعند أدائه لمناسك الحجِّ حتى يعود إلى بلده ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، والدارمي في سننهم ، وحسَّنه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 5018 ، وقال صلى الله عليه وسلم : – مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ ، كَحَامِلِ المِسْكِ ، وَنَافِخِ الكِيرِ ، فَحَامِلُ المِسْكِ : إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ – أي تشتري منه – وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الكِيرِ : إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيْحَاً خَبِيثَةً – متفق عليه .
8- أن يحرص الحاجّ على ذكر الله تعالى ، والأدعية الواردة في الحج ؛ من التلبية ، والتكبير ، والتسبيح ، والتهليل ، وغيرها من الأذكار ، والإكثار من دعاء الله ، والإنابة إليه في حال السفر ، وعند أدائه شعائر الحج ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ : دَعْوَةُ المَظْلُومِ ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ – رواه الترمذي في سننه ، وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وقال صلى الله عليه وسلم : – خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قدير – رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ في سننه ، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 2598 وكم في الأذكار الشرعية ، والأدعية النبوية ؛ من حياةٍ للقلوب ، وطمأنينةٍ للنفوس ، وإنابةٍ لله ذلاً ، وافتقاراً ؛ وحفظٍ للعبد من جميع الشرور في الدنيا والآخرة .
9-أن يحرص الحاج على أداء حجه على الوجه المشروع ، مجتنباً فيه محظوراته ، والمعاصي التي تؤثر فيه سلباً من الكذب ، والغيبة ، وقول الزور ، والأخلاق السيئة ، وغيرها ، وقد قال الله تعالى : – وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ – البقرة : 196 وقال تعالى : – فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ – البقرة : 197 وقال صلى الله عليه وسلم : – الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة – رواه أحمد في مسنده ، والطبراني في معجمه ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم 3170 والحج المبرور كما قاله النووي : ” هو الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إثم ؛ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ . وَقِيلَ هُوَ الْمَقْبُولُ الْمُقَابَلُ بِالْبِرِّ ، وَهُوَ الثَّوَابُ ؛ وَمِنْ عَلَامَةِ الْقَبُولِ أَنْ يَرْجِعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ ، وَلَا يُعَاوِدُ الْمَعَاصِيَ ؛ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيه ” .
10-إذا أتم العبد أداء فريضة الحج ؛ فليبادر إلى العودة إلى أهله وبلاده ؛ ويخبرهم بوقت مجيئه إليهم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : – السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ ، وَطَعَامَهُ ، وَشَرَابه ، فَإِذا قضى نهمه – أي حاجته من حجٍّ ،وغزوٍ ، وغيرها – فليعجل إِلَى أَهله – رواه البخاري ومسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – إِذا طَال أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ ؛ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا – متفق عليه.
إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية ، والوصايا الشرعية ؛ التي يوصى بها كل حاجٍّ ، ومسافر ٍ؛ لأداء فريضة الحج ؛ وهذه الوصايا ، والآداب فيها الخير الكثير لمن قام بها ، طاعةً لله ، وابتغاءً لفضله ، وثوابه ؛ ونسأل الله قبول الأعمال ، والإثابة عليها ، وأن ييسر للحجاج حجَّهم ، وأن يعيدهم إلى بلدانهم ، وأولادهم ، سالمين غانمين ، وقد غفرت ذنوبهم ، ورفعت درجاتهم في جنات النعيم ، اللهم اجزِ ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين ، وولي عهد الأمين ، وجميع الوزراء ، والأمراء ، والمسؤولين ، والمتطوعين في بلادنا خير الجزاء على ما قاموا ، ويقومون به من خدمة ضيوف الرحمن ، وقاصدي البيت الحرام ، والمشاعر المقدسة ، اللهم أدم على بلادنا السعودية أمنها ، وإيمانها ، وقيادتها ، والنعم والخيرات في بلادها ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم آمين .




