مقالات

الصمت لغة العظماء 

  بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

  بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

كنا نسمع كثيرًا أن الدنيا فسيحة، وأن الدروب لا تضيق بمن يسير فيها، وأن الصبر مفتاح لكل عُسر. لكننا لم ندرك أن بعض المسافات لا تُقاس بخطوة، بل بشعور… وأن بعض الجروح لا تُرى، لكنها تثقل الروح حتى تنحني.

في زحام النقاشات، حيث ترتفع الأصوات وتتزاحم الكلمات، نعتقد أن الأقوى هو من يتكلم أكثر، ومن يفرض رأيه بصوت أعلى. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فهناك لحظات لا يكون فيها الصمت هروبًا، بل اختيارًا واعيًا، نابعًا من إدراك عميق أن بعض الأحاديث لا تستحق أن نخوضها، وأن بعض الردود لا تضيف شيئًا سوى المزيد من الضجيج.

الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء. امتلاء بالحكمة، وضبط النفس، واحترام الذات. هو ذلك القرار الصامت الذي نتخذه حين ندرك أن طاقتنا أثمن من أن تُهدر في جدال عقيم، وأن كرامتنا أعلى من أن تُستنزف في محاولة إقناع من لا يريد أن يفهم.

أحيانًا، يكون الصمت رسالة واضحة، أقوى من ألف كلمة. رسالة تقول: “أنا أرى، أفهم، لكنني اخترت أن أرتقي”. فليس كل ما يُقال يستحق ردًا، وليس كل من يخطئ يستحق تصحيحًا. بعض الأخطاء يكفيها التجاهل، وبعض الناس لا يتعلمون إلا حين يواجهون صدى أفعالهم في صمت الآخرين.

والكلام، مهما كان بليغًا، يحتاج إلى قلبٍ يُنصت قبل أذنٍ تسمع. فإذا غاب الإنصات، فقدت الكلمات معناها، وتحول الحوار إلى مجرد تبادل أصوات لا أكثر. هنا، يصبح الصمت احترامًا للنفس، وحفاظًا على ما تبقى من هدوء داخلي.

ليست كل المسافات ضعفًا، وليست كل الانسحابات هزيمة. أحيانًا، يكون الابتعاد هو أرقى أشكال الوعي، حين ندرك أن بعض الأماكن لم تُخلق لنا، وأن بعض العلاقات لم تُبنَ على أساسٍ متين.

في النهاية، الصمت ليس نهاية الحديث، بل بداية فهم أعمق. هو المساحة التي نعيد فيها ترتيب أنفسنا، ونحمي بها قلوبنا، ونختار فيها متى نتكلم… ولماذا.

فاختر صمتك بعناية، فبعض الصمت كرامة، وبعضه نجاة.

معالجة التشتت في حياتنا: كيف نستعيد تركيزنا ونقود يومنا بوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬