مقالات

أسدٌ عليّ… وفي الحروبِ نعامة

بقلم الكاتبة ./ فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة ./ فاطمة عواجي 

في زحام الحياة، نلتقي بأنماطٍ بشريةٍ غريبة، تُتقن ارتداء الأقنعة أكثر مما تُتقن مواجهة الحقيقة. ومن أبرز تلك الأنماط: ذاك الذي يعلو صوته حيث لا خطر، ويخفت حين تحين ساعة الاختبار. ذاك الذي وصفه العرب قديمًا بقولهم: “أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة”.

هو ليس مجرد وصفٍ عابر، بل مرآة تعكس خللًا عميقًا في التوازن النفسي والأخلاقي.

فترى الرجل شديدًا على أهله، قاسيًا على من هم أضعف منه، يُظهر بأسًا زائفًا، ويظن أن القوة في رفع الصوت، أو فرض السيطرة، أو كسر الخواطر. لكنه حين يواجه موقفًا حقيقيًا يتطلب شجاعة… يتراجع، يتردد، وربما يختبئ خلف الأعذار.

هنا يتجلى التناقض المؤلم:

قوة في غير موضعها، وضعف في وقت الحاجة.

الشجاعة الحقيقية لا تُقاس بمن نغلبهم، بل بمن نقف أمامهم بثبات.

ليست في السيطرة على الضعفاء، بل في حماية حقوقهم.

وليست في التسلط، بل في ضبط النفس حين تغلي.

إن هذا النمط من البشر يعيش صراعًا داخليًا، فهو يعلم – في قرارة نفسه – أنه لم يكن يومًا قويًا، بل كان فقط يبحث عن ساحاتٍ آمنة ليُثبت فيها وهم القوة.

ولهذا، تجده يتجنب المواجهات الحقيقية، لأنها تفضح هشاشته.

والمؤلم أكثر… أن ضحايا هذا التناقض غالبًا هم الأقرب إليه:

أهل، أبناء، زملاء… يدفعون ثمن شجاعةٍ لم تولد أصلًا.

في مجتمعاتنا، نحتاج أن نُعيد تعريف القوة:

أن نُعلم أبناءنا أن الشجاعة ليست في القسوة، بل في الرحمة.

وليست في الصوت المرتفع، بل في الموقف الثابت.

وليست في التهديد، بل في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح مهما كان صعبًا.

فالأسد الحقيقي لا يزأر في كل وقت،

والنعامة لا تُلام على فطرتها…

لكن الإنسان يُلام حين يختار أن يكون قويًا فقط حيث لا يُختبر.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة:

من لم يكن شجاعًا في المواقف، فلن تصنعه الكلمات بطلاً…

وسيظل أسدًا في المرآة، ونعامةً في الميدان.

 

كن خفيفًا… فالحياة ليست معركة لإثبات الذات

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬