أعمالٌ صالحةٌ في شهر الخيرات

حسن بن محمد منصور الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر القراء : الحمد لله على بلوغ شهر رمضان ، وصيام بعض أيامه ، ونسأل الله الإعانة في بقية أيامه ولياليه لصالح القول والعمل ، فشهر رمضان شهر الخير والبركات ، وشهر الفضائل والهبات .
معاشر القراء : من أعظم الأعمال الصالحة في هذا الشهر الفضيل :
١- صيام أيامه المباركة ؛ والتي أوجب الله على المكلفين صيامها ؛ قال تعالى : – يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ – البقرة : 183 ، وقال صلى الله عليه وسلم : – بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ – متفقٌ عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ – رواه البخاري ومسلم ، فاحرصوا أيها المؤمنون على صيام شهركم هذا ، وصونوه مما يُفسده أو يُنقص أجر الصائمين فيه تفوزوا يوم التناد .
٢– المبادرة بالتوبة النصوح فيه من جميع الذنوب والسيئات ؛ فرمضان شهر المغفرة والتوبة ، وإن كانت التوبة بابها مفتوحاً إلى أن تبلغ الروحُ الحلقومَ أو تطلعُ الشمس من مغربها : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا – الأنعام : 158 – وإنَّ الخسارة كلَّ الخسارة يا إخوة أن تمر على المسلم أيام رمضان المباركة ، ولياليه الفاضلة ، وقد حرم من مغفرة ذنبه ، وتجاوز الله عن سيئاته ، وفي حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال : – صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ ، فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قَالَ : آمِينَ . ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً أُخْرَى ؛ فقَالَ : آمِينَ . ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً ؛ فقَالَ : آمِينَ . ثُمَّ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ؛ قُلْتُ : آمِينَ ؛ قَالَ : وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ ؛ فأبْعَدَهُ اللَّهُ ؛ قُلْتُ : آمِينَ ، فقَالَ : وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ، فَأَبْعَدَهُ الله قل : آمين فقلت : آمين – صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم 410 .
٣– ومما يُرغَّب في فعله في شهر رمضان ، وإن كان فعله في غيره مرغبٌ فيه ؛ الصدقة ، وبذل المال للفقراء والمعسرين ، ومن هم بحاجةٍ إلى تفريج كرباتهم بزكواتكم وصدقاتكم ، كيف وقد قال الله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ – التوبة : 60 – وقال تعالى : – مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ – البقرة : 261 – وقال صلى الله عليه وسلم : – إنّ الصّدقة لَتطفئُ عن أهْلِها حرَّ القُبورِ ، وإنّما يستظلُ المؤمنُ يومَ القيامةِ في ظلِّ صَدَقَتِه – رواه الطبراني في المعجم الكبير ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 3484 .
فليتسابق المتسابقون بصدقاتهم في هذا الشهر الفضيل على المحتاجين من الأقارب ، والجيران ، وغيرهم ؛ اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي : – كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ – متفقٌ عليه .
إخواني القراء : احذروا من صرف أموالكم إلى من لا يستحقها من المتسولين المتجولين في المساجد والطرقات ، وغيرها ؛ واصرفوا أموالكم إلى من يستحقها ممن ذكرهم الله في قوله تعالى : – لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ – البقرة : 273 – وقال صلى الله عليه وسلم : – الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ : صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ وغيره ، وصحَّحه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 1939 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ – رواه البخاري ومسلم .
إخواني القراء : لقد رغَّبَ الإسلام في تفطير الصائمين ؛ سواءً كانوا في البيوت أو المساجد أو غيرها ، فقال صلى الله عليه وسلم : – مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا – رواه الترمذي ، وقال هذا حديث حسنٌ صحيح .
معاشر القراء : حذارِ حذارِ من التبذير ، والتباهي في موائد الإفطار ، ووجوب الاقتصاد في المطاعم والمشارب ، لأنَّ الله تعالى يقــول : – وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ – الأعراف : 31 – ويقول صلى الله عليه وسلم : – كُلُوا ، وَاشْرَبُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَالْبَسُوا فِي غَيْرَ مَخِيلَةٍ ، وَلَا سَرَفٍ – رواه أحمد ، وغيره ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 4505.
٤– أداء الأمانة : إنَّ من تقوى الله تعالى في شهر الصيام أن يؤدي الصائمون أعمالهم الوظيفيةَ ؛ الحكومية منها أو الأهلية كما هو مطلوبٌ منهم نظاماً ، وألا يخلُّوا بأعمالهم فيها بتقصيرٍ أو غيابٍ بحجة الصيام ، فالعمل أمانةٌ في أعناقهم في هذا الشهر الفضيل ؛ كما أنَّ الصلاة والصيام أمانةٌ في أعناقهم أيضاً ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ -رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وغيره ، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 2934 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : – إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ – رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 1113 وكذا كما هو الحال مع الموظفين هو الحال مع الطلاب والدارسين بألا يتغيبوا عن حصصهم المدرسية ، ومحاضراتهم الجامعية ؛ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ؛ حتى لا يؤثر ذلك سلباً في ضعف مستوياتهم العلمية ، ودرجاتهم الدراسية ، نسأل الله تعالى صلاح أنفسنا ، وأزواجنا ، وذرياتنا لما يحبه ربنا ويرضاه ، وأن يعيذنا وإياهم من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا في هذا الشهر الفضيل ، وغيره من الشهور ؛ اللهم آمنا في أوطاننا ، وأدم الخيراتِ والنعمَ في بلدانِنا ، ووفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه ، وخصَّ منهم إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين بمزيدٍ من الصحة والتسديد ؛ لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين ، وأعنه بولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان لما فيه صلاح الدنيا والدين ؛ وسائر الأمراء ، والوزراء ، والمسؤولين في هذا البلد الأمين ، اللهم احفظ جنودنا ، ورجال أمننا في حدود بلادنا ، وداخل أوطاننا من كل شرٍّ ومكروه ، وسائر المسلمين يا حيُّ يا قيوم ، اللهم كما بلغتنا صيام أول الشهر وقيامه ، فمنَّ علينا بصيام بقية أيام رمضان ، وقيام لياليه العظام ، وتقبلها منَّا ، إنَّك أنت السميع العليم ، واجعلنا في هذا الشهر الفضيل من المقبولين ، ولجنات عدنٍ من الفائزين ، ومن عذاب جهنم من الناجين ، ووالدينا ووالديهم ، وجميع المسلمين ، اللهم إنَّا ظلمنا أنفسنا ، وان لم تغفر لنا ، وترحمنا لنكونن من الخاسرين . اللهم آمين .



