مقالات

وعاد رمضان

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

عاد يحمل في طيات أيّامه رسالة ربانية تتنزّل على القلوب قبل البيوت؛ رسالة مغفرة ورحمة وعتق من النيران.
يأتي كل عام كضيفٍ عزيز، يطرق أبواب أرواحنا قبل أبواب منازلنا، فيوقظ فينا الشوق، ويعيد ترتيب الفوضى التي صنعتها الأيام.
رمضان ليس شهرًا يُعدّ في التقويم، بل حالة شعورية كاملة…
هو سكينة تتسلّل مع أذان المغرب،
هو دمعةٌ خاشعة في سجود طويل،
هو دعاء أمٍّ يعلو في الثلث الأخير من الليل،
هو مائدة يجتمع حولها الأحبة، فيمتلئ البيت دفئًا قبل أن تمتلئ الصحون.
لكن…
ليس كل بيتٍ يستقبل رمضان بالاكتمال ذاته.
في بعض البيوت، يعود رمضان ويجلس على المائدة مقعدٌ فارغ.
مقعدٌ كان يومًا يضحك، يمازح، يمدّ يده بالدعاء، أو يسبق الجميع إلى التمر والماء.
في بعض البيوت، تُرفع الأيدي بالدعاء ويغصّ الصوت باسمٍ لم يعد حاضرًا بالجسد، لكنه يسكن التفاصيل.
أبٌ كان يؤمّهم في صلاة التراويح.
أمٌّ كانت تعبق برائحة قهوتها قبل السحور.
أخٌ يملأ المجلس حياة.
أختٌ كانت روح البيت.
ولدٌ أو بنتٌ أو صديقٌ كان يضيف للّحظة معنى لا يُشترى.
يمرّ رمضان عليهم هذه المرة مختلفًا…
يبتسمون، نعم.
يجتمعون، نعم.
لكن في القلب فجوة لا يملؤها سوى ذكرى.
ومع ذلك…
في هذا الشهر بالذات، تتحوّل الذكرى إلى عبادة.
يتحوّل الحنين إلى دعاء.
يتحوّل الفقد إلى صدقةٍ جارية، وإلى قرآن يُهدى، وإلى دمعةٍ صادقةٍ يعلم الله قدرها.
رمضان يعلّمنا أن الغائبين لم يغيبوا تمامًا،
بل سبقونا إلى رحمةٍ أوسع،
وأن اللقاء لم يُلغَ… بل تأجّل.
في ليالي رمضان، حين يهدأ الضجيج وتعلو الأرواح، نشعر أنهم أقرب مما نظن.
نستشعرهم في كل دعاء،
وفي كل ركعة،
وفي كل “اللهم اغفر له وارحمه” تخرج من قلبٍ مكسور لكنه راضٍ.
يا رمضان…
كن على البيوت التي فقدت عزيزًا سكينة،
وكن على القلوب الموجوعة عزاء،
واغسل أحزانهم بمطر الرحمة،
وأبدل غصّتهم يقينًا بأن من فقدوهم في كنف أرحم الراحمين.
عاد رمضان…
فليكن شهر ترميم القلوب،
وشهر وصل الدعاء بين الأرض والسماء،
وشهر نؤمن فيه أن ما أخذه الله من أعيننا…
جعله أمانةً عنده، في دارٍ لا فراق بعدها.
اللهم اجعل رمضان على بيوتنا أمنًا،
وعلى موتانا نورًا،
وعلى قلوبنا طمأنينةً لا تزول.

 

الفقد في زمن الأهازيج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬