مقالات

سلام القلب لراحة البال 

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر 

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر 

في زحمة العلاقات الإنسانية، تتكرر مشاهد الزعل والخذلان وسوء الفهم، ويظن كثيرون أن التسامح موقف أخلاقي يُتخذ لأجل الآخرين فقط، وكأننا لا نسامح إلا لأن الطرف الآخر يستحق العفو. بينما الحقيقة الأعمق، نفسيًا وروحيًا، أن التسامح في جوهره فعل نفعله لأجل أنفسنا قبل أي أحد. نحن لا نسامح لأن الخطأ كان بسيطًا، ولا لأن الأذى لم يكن موجعًا، بل لأن الاستمرار في حمل الغضب يستنزف طاقتنا ويقيد سلامنا الداخلي. فالقلب المثقل بالضغائن لا يؤذي غيره بقدر ما يؤذي صاحبه، إذ يتحول الألم فيه إلى عبء يومي يسرق الطمأنينة ويشوّه صفاء العيش.

التسامح لا يعني إنكار الألم، ولا تبرير الإساءة، ولا إلغاء الحدود، بل يعني اتخاذ قرار واعٍ بتحرير النفس من الدوران في دائرة الاستياء. هو أن تختار سلامك على جدال لا ينتهي، وأن تحمي قلبك من الاستنزاف المستمر. ومن هنا تتجلى قيمة التغافل؛ فليس كل تصرّف يحتاج تحليلًا، ولا كل كلمة تستحق وقفة، فالناس مفطورون على الهفوات، والعاقل هو من لا يدقّق في كل صغيرة وكبيرة، لأن كثرة التدقيق تفسد الود وتُنهك النفس. إن القدرة على الصمت أحيانًا، وعلى عدم الرد في بعض المواقف، ليست ضعفًا، بل حكمة وقوة داخلية تعكس نضج الإنسان واتزانه.

ومع اقتراب شهر الخير، تتضاعف الحاجة إلى هذا الصفاء الداخل

ي، فكيف يستقبل الإنسان موسم الرحمة وقلبه مزدحم بالعتب والخصومات؟ وكيف يرجو قبولًا وهو لم يصفِّ صدره بعد؟ إن التسامح في هذا السياق عبادة خفية، لا يراها الناس، لكنها تُصلح الداخل وتنعكس أثرًا على العلاقات والسلوك والراحة النفسية. هو طريق لخفة القلب، وسلام الروح، والقدرة على العيش بتوازن بعيدًا عن ثقل الضغائن.

ويتجلى هذا المعنى بأبلغ صورة في قصة مؤثرة من السيرة، حين أخبر النبي ﷺ أصحابه أن رجلًا من أهل الجنة سيطلع عليهم، فدخل رجل من الأنصار لا يُرى عليه تميّز في عبادة ظاهرة ولا كثرة صيام أو قيام. تكرر المشهد أكثر من مرة، فتعجّب الصحابة وظنّوا أن لهذا الرجل عملًا خفيًا عظيمًا، فبات أحدهم عنده ليراقب عبادته، فلم يجد إلا صلاة معتدلة وذكرًا يسيرًا. وحين سأله عن السر الذي بلّغه هذه المنزلة، أجابه ببساطة عميقة: إنه لا ينام ليلته وفي قلبه غِلٌّ على أحد، ولا يحمل حقدًا أو ضغينة تجاه أي إنسان. هنا تتضح الحقيقة كاملة؛ أن سلامة الصدر عبادة صامتة، وأن التسامح الذي يسبق النوم هو تطهير للنفس من أثقال اليوم، وراحة يمنحها الإنسان لنفسه قبل أن تكون عفوًا عن غيره.

في النهاية، التسامح ليس لأن الآخرين دائمًا يستحقون المسامحة، بل لأننا نحن نستحق أن نعيش بقلوب أخف، وننام بصدور أنقى، ونستيقظ بلا أثقال. هو قرار شجاع بالسلام، واختيار واعٍ بأن نُنهي يومنا دون أحقاد، كما فعل ذلك الصحابي الذي بلغ الجنة بقلبٍ سليم قبل أن يبلغها بكثرة عمل.

التوازن سر السعادة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬