أثر البحر الميت: حين تنسحب الروح بصمت

بقلم الكاتبة : احلام عبده اليحياوي
لا تموت المؤسسات غالبًا بضربة واحدة، ولا تسقط مع أول أزمة. في كثير من الأحيان، يبدأ التآكل بهدوء… حياة تنسحب من الداخل بينما الشكل الخارجي ما زال قائمًا. هذا ما يُعرف إداريًا بـ أثر البحر الميت.
تشبه الفكرة البحر الميت ذاته؛ مياه تتدفّق بلا منفذ يعيد الحركة أو يوازنها. ومع الوقت، تتراكم الأملاح وتغيب الحياة. وفي بيئات العمل، تتكرّر الصورة حين تدخل الكفاءات بطاقة عالية، ثم تغادر تباعًا، بينما يبقى من اعتاد الركود أو لم يعد يملك خيار الرحيل.
الخلل لا يبدأ عند الاستقالة، بل قبلها بزمن؛ حين يشعر الإنسان أن جهده لا يُرى، وأن العدالة تُمارَس بانتقائية تُطفئ الحماس. عندها يبدأ الانسحاب بصمت: فتور، ثم مسافة داخلية، ثم مغادرة هادئة تترك فراغًا يصعب تعويضه.
المفارقة أن الخسارة قد لا تُلاحظ فورًا. فالمهام تُنجز، والاجتماعات مستمرة، لكن ما يغيب هو روح المبادرة، والجرأة على السؤال، والرغبة في التطوير. تبدو المؤسسة قائمة، لكنها منهكة في عمقها.
أثر البحر الميت لا ينتقص ممن بقوا، بل يكشف بيئة لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالأفضل. فالكفاءة، حين لا تجد إنصافًا، تبحث بطبيعتها عن أفق أرحب.
فالمؤسسات الحيّة لا تكتفي باستقطاب المواهب، بل تعرف كيف تصونها…
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في مغادرة الأشخاص،بل في مغادرة الروح قبلهم.



