مقالات

الرقمنة: حين تعبر الأسرة إلى وطنٍ لم تخطط له

بقلم :عبير بن صديق 

بقلم :عبير بن صديق 

لم تعد الرقمنة مجرد تطور تقني يسهّل تفاصيل الحياة اليومية، بل تحوّلت إلى تجربة وجودية كاملة تعيد تشكيل بنية الأسرة من الداخل. لقد دخلت البيوت بهدوء، دون إعلان أو استئذان، حتى وجدنا أنفسنا نعيش في فضاء جديد لا يشبه ما ألفناه ، لا تُرسم حدوده على الخرائط، بل في أنماط الوعي، وطريقة التواصل، وإعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة الواحدة.

إنها رحلة لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تُسبق بحقائب، ومع ذلك تحمل من التحوّلات ما يفوق السفر في المكان والزمان معًا. ففي هذا العالم الرقمي تتبدل اللغة، وتتغير الطقوس، وتُعاد صياغة العادات اليومية ببطء لا يُرى لكنه عميق الأثر. أصبح النقر بديلاً عن الطرق، والنافذة الإلكترونية أقرب من نافذة الجار، وانتظار استقرار الشبكة يحل محل الوقوف في طوابير كانت تمنح الناس وقتًا للحديث والتلاقي.

ولا تعبر الأسرة هذا الفضاء الجديد بطريقة واحدة. فكل فرد يدخل الرقمنة من زاويته الخاصة، وبخبرته ومخاوفه واستعداده المختلف. فتجد أب تشكل وعيه المهني في بيئة إلكترونية غالبًا ما يتعامل مع العالم الرقمي كمساحة مألوفة؛ يرى في التطبيقات أدوات، وفي المنصات جسورًا، لا حواجز. في المقابل، قد يقف الابن – رغم ادواته الجامعية تعتمد على الرقمنة 100% في حالة صمت وتردد، يحاول مواكبة ما يبدو طبيعيًا للآخرين، دون أن يجد له موطئ قدم حقيقيًا.

أما الأطفال، فقد يسبق بعضهم فهم الخوارزميات قبل أن يفسرها المختصون، بينما يكتفي آخرون بدورهم داخل اللعبة أو المنصة، دون رغبة في استكشاف ما وراء الشاشة. وقد تجد ربة المنزل التي لم تعمل يومًا خارج البيت تتقدم نحو العالم الرقمي بخطوات هادئة، لا بدافع الواجب فقط، بل بشغف اكتشاف مساحة شخصية جديدة، ورغبة في إثبات أن التعلم لا يرتبط بالعمر ولا بالمهنة.

في هذا السياق، يتضح أن الرقمنة ليست مجرد تحويل للخدمات إلى شاشات، بل هي إعادة توزيع للأدوار داخل الأسرة. ما كان حكرًا على الأكبر بات في متناول الأصغر، وما كان يتطلب حضورًا جسديًا صار يُنجز عن بُعد. إنها تداخلات بين التعليم والعمل والصحة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والحوارات اليومية تعيد تشكيل العلاقات بين أفراد الأسرة كما يعيد النهر نحت ضفافه؛ ببطءٍ صامت، لا يترك شيئًا على حاله.

وككل تحوّل كبير، للرقمنة وجهان. فهي تمنح الأسرة سهولة في الإنجاز، واتساعًا في الخيارات، ووعيًا جديدًا يعزز قدرة الفرد على إدارة حياته. لكنها في الوقت ذاته قد تخلق فجوات صامتة بين الأجيال، وتزيد من عزلة البعض، وتضعف دفء الجلسات العائلية التي كانت تقوم على الحضور الحي، لا على الإشعارات المتلاحقة.

غير أن جوهر الرقمنة لا يكمن في سرعتها أو تقنياتها، بل في الأسئلة التي تفرضها على الأسرة والمجتمع معًا:

هل نملك القدرة على عبور هذا العالم الجديد دون أن نفقد دفء العالم القديم؟

وهل نستطيع حمل قيمنا معنا لتكون بوصلتنا الأخلاقية في فضاء لا يعترف إلا بالإيقاع المتسارع؟

وهل يمكن للأسرة أن تحافظ على توازنها وهي تتوزع بين واقع يُلمس وآخر يمر عبرها كتيار غير مرئي؟

إن الرقمنة ليست اختبارًا للتقنية بقدر ما هي اختبار للإنسان. اختبار لمرونته، وقدرته على التكيّف، واستعداده لتقبّل الاختلاف داخل أسرته وكل التباينات ودرجات التقبل فيها، فتحمل في داخلها بذرة انسجام كامنة؛ يكفي أن يُفهم كل فرد وفق تجربته، وأن يُسمَع خوفه قبل أن يُطلب منه الاندماج.

نحن إذًا لسنا أمام ثورة تقنية فحسب، بل أمام ثورة إدراكية تعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا وبمن نحب. ولعل أجمل ما في هذه الرحلة الصامتة أننا لم نخترها، ومع ذلك نملك القدرة على منحها معنى ؛ أن نحولها من عبورٍ مُربك إلى عبورٍ ناضج، ومن انتقالٍ غير مرئي إلى فرصة لاكتشاف ذواتنا من جديد، والبقاء متماسكين… حتى ونحن نتغير في كل يوم.

 

صفحتك بيضاء ؟

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬