تأملات

بقلم : د.لينة بنت حسن عزوز
أنا هنا على ربوة التأمل، قلبي مُشربّ بحُمرة حُلم، أتكئ بشوقٍ على قُصاصةِ حنينٍ عتيق، أفتح الباب الموارب، وأصدع بقضية ملهمة أَبيّة، أحفر في أخاديد العمر، أحاور التاريخ عن كَثب، لا أتمالك دمعي المُثقل بجراحات الموجوعين الذين يتربصون الفرج، ويتمنى أحدهم لو يُعمّر ألف فرح، أَقعُد من الحكمة مقاعد للسمع، أحاول أسلمة المواقف، وشرعنة الخُطا، والثبات رغم شدة المناورات، أُقاوم الانفعالات التي ليست من النُبل في شيء، وأدعو مولاي في أدبار الصلوات وعند إدبار النجوم، هنا ملحمتي وترسانتي وعُدوتي القصوى..
واعلم أنني حين أتوقف عن الإرسال وأقطع البثّ عن الكتابة حينًا من الدهر، أنني في مخاض نفسيّ عميق، أتماهى مع الماجريات المدهشة، أنظر نظرة للنجوم، أتأمل وأفكر، أحصي وأراجع، أكتشف ذاتي، أختمر وأعجن روحي بالمعارف الجديدة، أتريث في محطات الفَرز؛ لأتفحص الصادر والوارد، والمداخل والمخارج، أُفلتر البشر والعلاقات، أتابع أخبار الكوكب، أتجاهل لحظات الإخفاق الفشل، وأكرس العناية نحو الهدف، أَنعزل في محراب الإنابة، أبوء بذنوبي وآثامي، وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًّا..
لستُ ملهمة إلى الحدّ الكافي غير أنني أسعى للاكتمال !
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على الكمال..
فقوموا بنا إليه؛ لعلنا نبلغ الغاية العظمى، وعقبى الدار، وحُسن المآل…
تلهمني الأيام الموشّاة بالحسن؛ الموشّحة بالنُبل، السابحة في ملكوت التسامي، النابعة من قاع التوادّ.
أُراهن على أن من أشد الأشياء بؤسًا على الذات أن تذيب مجد نفسك من أجل الآخرين، وأن تَصهر نشوة فخرك وإعجابك ليكتمل الآخرون، وأن تُطفئ من بريق سلطانك ليظفر الأقران بمجد لامع ناصع، لكن هذا هو شأن الأحرار النبلاء، وخلق العظماء من الأنبياء..
ما أسعد أن ننمو معًا! ونصعد معًا! ونستتمّ قائمين معًا! دون نظر لحظوظ نفس أو تحبير مقام..
ما أبهى أن تتعلم كيف تكون امرءًا خالصًا لله، عاملًا لله، ساعيًا من أجل الله..!
وما أعزّ أن تُسخر من إمكانياتك ومهاراتك ولياقتك لتجعل من الآخرين شيئًا مذكورًا مرموقًا، وتهيئ لهم مكانًا عليًّا سنيًّا! وتفسح لهم الدروب ليكونوا ناجحين منعّمين..
كيف نصنع من نزاعاتنا قصةً للتاريخ، وقصيدة للفخر؟، وكيف تَخرجُ ثمرات التسامح من أكمامها طيّبة شهية الطعم حلوة المنظر؟
كيف نُفضي إلى أشياء الدنيا ومكاسبها ومراتبها، ثم لا نعود إلا بمحامد أُخروية يذهل عنها أهل الأرض ثم أهل السماء في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، إنه والذي نفسي بيده لهو النجاح الحقيقي..!
هنيئًا لمن دحا الإحن والضغائن، وعمل على تهذيب ذاته فجلّاها وزكاها وما دسّاها!
هنيئًا لكل ذي سَعةٍ أنفقَ من سَعة أخلاقه، وانتزَع الشحناء والبغضاء، وفاءَ إلى التآخي و التصافي، وفتح الأقفال، وحاول الإجفال عن المعاتبة، وهضم نفسه، ونأى عن تلميع اسمه حتى يتكامل بناء الجماعة…..
اللهم جنّبنا كل فعل معتل، وأكرمنا بكل خلق صحيح ظاهر ناصع ساطع، وبلّغنا (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)..
الحمد لله وبعد أن طال الأمد، وقسا العهد، حصحص الحق وبزغ الرشد، وقال الإحسان كلمته، وقالت النفس اصدع بالنبل والعطاء، وأشرقت الأرض بنور ربها..
أسأل الله إحماد وصاله، ودوام إسعاده..
“أنا شامخ في نظرتي لا أكترث للصخب والضجيج فلديّ من الهدوء القارس والحكمة السائدة ما يغير المعالم، ويعيد مقاييس الأبعاد، لا تفتّ في عضدي العتمة بل تستوي عندي الظلماء والنور فالمهم هو العمل والإنجاز، أُكرس نيتي للظفَر بكل ثانية من وجودي فوق كوكب الأرض وبين زمرة الأحياء، لا يعجبني فعل الأشياء العادية ولا سُلطان للأمور المستهلكة على تصرفاتي، بل أتوق إلى المميز المدهش، وأهيم بالأفكار ذات الجدوى وأُشنّف حُلمي بالآمال ذات المغزى العريق….
في طريق الحياة الطويل أخوض مقاومةً بين الذات والآخرين، وأستعين بالهدي النبويّ (من أرْضَى اللهَ بِسَخَطِ الناسِ، رَضِيَ اللهُ عنه وأَرْضَى عنه الناسَ، ومن أرْضَى الناسَ بسَخَطِ اللهِ، عادَ حامِدُهُ مِنَ الناسِ لَهُ ذَامًّا)، فتتبدل الأشياء في عيوني ولا أنتظر حمدًا ولا شكورًا بل أعلمُ يقينًا بأن النقد وما والاه آتٍ لا محالة؛ فتسافر ذاتي نحو خواتيم سعيدة خالدة.. يارب إليك نسعى ونحفِد؛ فآتنا من الخير فوق ما نريد، وتقبّل منّا وأدخِلنا في عبادك الصالحين.




