مراعي منطقة جازان.. ثراء بيئي يرسم مسارات الرحيق ويُنوّع إنتاج العسل

متابعات
رسمت الأمطار التي شهدتها منطقة جازان خلال الأيام الماضية مسارات لنشاط النحالين، بعدما أعادت الحياة إلى المراعي الممتدة بين السهول والأودية والمرتفعات الجبلية، وأسهمت في تجدد الغطاء النباتي وتفتح الأزهار؛ لتتحول هذه المواقع إلى مصادر للرحيق وحبوب اللقاح، وتتيح لمنتجي العسل فرصًا للاستفادة من تعاقب الإزهار واختلاف البيئات النباتية.
وفي مشهد يعكس ثراء الطبيعة، اتسعت رقعة الإزهار لتدفع النحالين إلى تتبع المواقع التي استعادت كثافتها النباتية، ونقل خلاياهم بين الأودية والسفوح والمرتفعات، مستفيدين من الموارد التي توفرها الأشجار والنباتات البرية، وفق مواعيد تفتح الأزهار ومدى وفرتها.
وعلى امتداد المواسم الرحيقية، تشكّل أشجار السدر والسمرة والسلام والشوكة والضهيان والقتاد مصادر لإنتاج العسل بجازان؛ إذ يبدأ موسم عسل القتاد في يناير، ويستمر خلال فبراير وحتى مطلع مارس، ويظهر عسل السمرة خلال مارس وأبريل، فيما يبدأ موسم عسل السلام أواخر مارس ويمتد خلال أبريل ومايو، ثم يأتي عسل الدوم في يونيو ويوليو، إضافة إلى عسل الضهيان والسدر في أكتوبر ونوفمبر.
وامتدادًا للخبرات المتوارثة في تربية النحل، يوظّف النحالون معارفهم بطبيعة المراعي ومواعيد الإزهار في اختيار مواقع المناحل، وفق كثافة الأزهار ووفرة الرحيق وجاهزية الطوائف، مع مراعاة اختلاف التضاريس والظروف المناخية، مستندين إلى ممارسات تناقلتها الأجيال في التعامل مع النحل البلدي وإدارة خلاياه، بما يجمع بين أصالة المهنة وتطور أساليبها، ويعزز الاستفادة من المواسم الإنتاجية.
وأوضح عدد من نحالي منطقة جازان أن مراقبة نمو النباتات عقب الأمطار تمثل مؤشرًا لتحديد المواعيد المناسبة للاستفادة من المراعي، مشيرين إلى أن متابعة مراحل التفتح تساعدهم على اختيار توقيت نقل الخلايا، وتجنب المواقع التي لم تبلغ فيها النباتات مرحلة الإزهار المناسبة.
وبين رئيس الجمعية التعاونية للنحالين بجازان، سليمان بن يحيى الغزواني، أن عدد النحالين في المنطقة تجاوز (3,000) نحال، منهم (744) نحالًا مرخصًا عبر منصة “زراعي”، فيما بلغ عدد خلايا النحل البلدي (160,915) خلية، إضافة إلى (130,000) خلية حديثة.
وأفاد أن كميات العسل تتفاوت بين المراعي بحسب وفرة الأزهار ومدة إزهارها، ودرجات الحرارة والرطوبة، وقوة الطوائف وكفاءة إدارتها، مشيرًا إلى أن الإنتاج السنوي بمنطقة جازان سجل (426,526) كيلوجرامًا، بما يعكس حجم النشاط ضمن القطاعات الريفية.
وتتجاوز أهمية المراعي الرحيقية حدود النشاط المحلي؛ إذ أشار الغزواني إلى أن منطقة جازان تستقطب سنويًا أكثر من (1,000) نحال من مختلف مناطق المملكة، يستفيدون من تعاقب مواسم الإزهار وتعدد المواقع الطبيعية ومصادر الرحيق، مما يعزز مكانتها ضمن وجهات المناحل المتنقلة وإنتاج العسل.
وفي البعد البيئي، تبرز أهمية النحل في تلقيح النباتات البرية والمحاصيل الزراعية أثناء انتقاله بين الأزهار، بما يسهم في تكاثر الأنواع النباتية واستمرار الغطاء الأخضر، ويدعم التنوع الحيوي والتوازن البيئي، ويعكس العلاقة بين استدامة الموارد النباتية ونشاط الكائنات الملقحة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيوفر نشاط تربية النحل فرصًا للأسر والعاملين بالمناطق الريفية، من خلال إنتاج العسل وتسويقه والخدمات المرتبطة بإدارة المناحل وتجهيزها ونقلها، فيما تمثل حماية الأشجار الرحيقية والمواقع الطبيعية ركيزة لاستدامة الموارد الإنتاجية والاستفادة منها خلال المواسم المتعاقبة.
وداخل الخلايا، تبدأ مراحل تكوين العسل بعودة الشغالات محمّلة برحيق الأزهار، حيث يُعالج بالإنزيمات ويُخفض محتواه المائي، قبل تخزينه في العيون السداسية وإغلاقها بعد نضجه، فيما يتولى النحال متابعة صحة الطوائف وسلامة الحضنة، وتحديد موعد الفرز دون الإضرار باحتياجاتها الغذائية.
وتجسّد مراعي منطقة جازان نموذجًا للتكامل بين التنوع النباتي والخبرات المحلية في تطوير إنتاج العسل، بما يفتح آفاقًا أوسع للاستفادة من الموارد الطبيعية، وتنمية الممارسات الزراعية المستدامة، وتعزيز حضور المنطقة في صناعة العسل وتسويقه على مستوى المملكة.




